اللاجئون الشباب فريسة للتجنيد في العصابات المنظمة

العشائر الإجرامية تستغل المهاجرين الجدد من أصحاب الخبرات القتالية للزج بهم في مستنقع العصابات.
الأحد 2020/07/19
عصابات علنية تقودها الطائفية

شكلت مجموعات الشباب القادمين إلى أوروبا في السنوات الأخيرة فريسة لعصابات السرقة وتجارة المخدرات والابتزاز، خصوصا ما يعرف بالعشائر الإجرامية ذات الأصل العربي التي استغلت الشباب الذين يجهلون اللغات الأجنبية ولا يمتلكون إمكانيات مهنية وعلمية تؤهلهم للاندماج بشكل سريع.

برلين - مع تصاعد موجة اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، وجدت عصابات الجريمة المنظمة التي تعتمد بشكل أساسي على الدعارة والسرقات والمخدرات في الشباب القادمين فرصة لتوسيع شبكتها وجني المزيد من المال.

ومنذ العام 2015، وصل إلى ألمانيا أكثر من مليون لاجئ غالبيتهم العظمى من الشباب يبحثون عن عمل لتأمين حياتهم ولا يتكلمون لغة البلد، الأمر الذي استغلته تلك العصابات.

ونقلت صحيفة “دي فيلت” عن محقق بالشرطة الألمانية أن “الشباب الأقوياء جسديا هم الأكثر عرضة للتجنيد”.

وتنتشر في ألمانيا منذ عدة سنوات مجموعات إجرامية تُعرف في الأوساط الألمانية بـ”العصابات العائلية” التي يعتقد باحثون ألمان أن أصلها عربي من لبنان.

ويعود سبب رغبة هذه العصابات في زج اللاجئين الشباب في هذه الأعمال إلى أن الكثير منهم “وصلوا وحيدين إلى ألمانيا وليست لديهم ملفات قضائية”، ما يقلل من احتمال سجنهم في حال التوقيف، بحسب ما أفاد المسؤول في الشرطة الألمانية بنيامين يندرو.

وتتميز “العصابات العربية”، كما تسميها الصحافة الألمانية، بعملياتها الجريئة مثل السطو والقتل بناء على الطلب واستعراض القوة.

تهديد الخصوم

تواجه السلطات الألمانية انتقادات في تعاملها مع العصابات العائلية العربية التي وصل معظم أفرادها من لبنان في أوج الحرب الأهلية قبل ثلاثة عقود وتنخرط في تجارة المخدرات والدعارة والسرقات. وتعمد اليوم هذه العصابات إلى استغلال ظروف اللاجئين لتنفيذ مختلف الأعمال الإجرامية.

وتعود أصول عائلات المافيا هذه إلى لبنان، وهي وصلت إلى ألمانيا إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، ولم تكن ألمانيا تعتمد آنذاك أي سياسة لدمج المهاجرين، فكانوا مثلا محرومين من إجازات العمل.

ويقول ماتياس روه الخبير في شؤون المجتمعات العربية “لم يكن لهؤلاء المهاجرين الحق في التعليم أو العمل”، لذا أصبحت بيئتهم ملائمة للانحراف.

واليوم، تتشكل هذه العصابات من 12 عائلة، وفقا للشرطة، وهي تسيطر على تجارة المخدرات وشبكات الدعارة في برلين، وتنشط بشكل أساسي في أحياء غرب العاصمة الألمانية، وتتجنب الصدام مع العصابات الروسية والشيشانية والفيتنامية المنافسة.

نشاط مجموعة "السلام 313" العراقية لا يقتصر على الجرائم إذ تمارس دورا أخطر باسم الدفاع عن الإسلام والأخلاق

وينخرط في هذه الأعمال الإجرامية أفراد من نفس العائلة، ما يجعل اختراق هذه الأسر من قبل السلطات أكثر تعقيدا نظرا للخصوصية والولاءات التي تتمتع بها المافيا العائلية.

ويعتبر الباحث اللبناني الألماني رالف غضبان، الذي أصدر كتابا بعنوان “العشائر العربية – الخطر المستهان به” أن “الخوف من التمييز بحق الأقليات جعل من الممنوع الحديث عن عصابات ذات طابع عرقي”.

وقال غضبان إن العصابات و”العشائر العربية” تعد من الحلفاء الموثوقين لحزب الله في العمليات الإجرامية في ألمانيا.

ويرى أن حزب الله قد يعتمد أكثر الآن على هذه العصابات بعد حظره. ومع أن الاستخبارات الألمانية تعد 1050 شخصا كأعضاء منتمين إلى حزب الله في ألمانيا، فإن أعدادهم الحقيقية قد تكون أكبر بكثير من ذلك. إذ أنه منذ سقوط جدار برلين عام 1991 وصلت موجة كبيرة من اللبنانيين إلى ألمانيا، بينهم عدد كبير من الشيعة.

وكانت هذه الموجة الثانية من اللبنانيين الشيعة التي تصل ألمانيا، بعد موجة أصغر وصلت عام 1982 بعدما احتلت إسرائيل جنوب لبنان.

وأضاف أن هؤلاء وصلوا حاملين معهم انتماءاتهم السياسية نفسها، أي أنهم في غالبيتهم مؤيدون لحزب الله وحركة أمل، ما يعكس الانتماءات السياسية للشيعة في لبنان.

وبعد حديث غضبان لوسائل إعلام لبنانية حول كتابه، وجد نفسه في مواجهة مع هذه العصابات ووصلته تهديدات عديدة أجبرته على طلب حماية الشرطة الألمانية.

ولا توجد إحصاءات رسمية لأعداد اللبنانيين في ألمانيا، إلا أن غضبان يقدر أعدادهم بقرابة الـ60 ألف نسمة، نحو 40 في المئة منهم من الطائفة الشيعية. ويقول غضبان إن مناصري حزب الله في ألمانيا يعملون بالأسود، ويستغلون الجمعيات الخيرية في الواجهة للترويج لعقيدة الحزب وجمع الأموال له.

نزاعات العشائر

يرى غضبان أن حظر نشاطاتهم في ألمانيا قد لا يكون إجراء كافيا لأن حلفاءهم في الطائفة مثل مناصري حركة أمل ما زالوا موجودين، كما أن حلفاءهم من “العشائر” كذلك يتمتعون بشبكات إجرام قوية ومتينة في ألمانيا، يمكن أن يسيّر حزب الله أعماله عبرها.

وقال رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية هولغر مونش “إن السلطات تراقب عن كثب التطورات الجديدة في نشاط العشائر الإجرامية”.

وأشار مونش في وثائقي لشبكة “إي.آر.دي” الألمانية بعنوان “بلد الغنيمة: أعمال بالملايين لعشائر إجرامية” إلى أنه حتى إذا لم تكن هناك هياكل ثابتة لهذه العشائر، فإن التحقيقات حول جرائم منظمة لعشائر تظهر عددا متزايدا “للمهاجرين المشتبه في تورطهم في جرائم ذات صلة بهم”.

وأضاف مونش “في حوالي ثلث التحقيقات يظهر مهاجرون مشتبهين. هذا يعني أنه علينا مراقبة هذه الظاهرة عن كثب، لا ينبغي ترك هذه الأمور تحدث لسنوات. أعتقد أن هذا هو أكبر درس علينا تعلمه من التطورات في الثلاثين عاما الماضية”.

شباب مغرر بهم
شباب مغرر بهم

وحسب بيانات رئيس شرطة مدينة إيسن، فرانك ريشتر يلاحظ أفراد الشرطة أن المهاجرين أصبحوا يمثلون منافسة للعشائر العربية اللبنانية المقيمة في ألمانيا منذ فترة طويلة ويضعونها تحت ضغط.

وذكر أنه بينما كان ينشط مهاجرون من العراق لفترة طويلة فقط في توزيع المخدرات لصالح العصابات القديمة، نرصد الآن مجموعات جديدة تحاول تصدر هذا المجال.

ويخشى ريشتر من نزاعات بين العشائر القديمة والجديدة، موضحا أن بعض هذه المجموعات من المهاجرين الجدد لديهم “خبرات قتالية”. وقال “هذا سيكون بالطبع نوعية مختلفة تماما عما لدينا حاليا”.

وشكلت مجموعات أخرى من الشباب القادمين في السنوات الأخيرة إلى ألمانيا مجموعات صغيرة امتهنت أعمالا مشبوهة، ففي العام الماضي أعلنت شرطة ولاية شمال الراين ـ ويستفاليا شنها لحملة أمنية غير مسبوقة في عدة مدن ضد عصابات الجريمة المنظمة، والمجموعة المستهدفة عراقية اسمها “السلام 313”. ويتعلق الأمر بجرائم تهريب البشر والاتجار بالأسلحة والمخدرات.

لكن نشاط هذه المجموعة لا يقتصر على هذه الجرائم، إذ تمارس دورا أخطر باسم الدفاع عن الإسلام والأخلاق، وفي تسجيل فيديو بثته مجموعة الدراجات النارية العراقية على يوتيوب، يظهر أربعة شباب عراقيين مفتولي العضلات داخل سيارة، أحدهم عرف بنفسه باسم محمد بكنية “أبومهدي”، وهو يوجه تحية إجلال إلى المرجعية الشيعية، والحشد الشعبي وسرايا السلام التابعة لرجل الدين مقتدى الصدر.

ثم يقول “دخلنا ألمانيا بسلام، وعوقب أحد العراقيين واسمه مصطفى الحجي، وهو مقيم في النمسا ومعروف بانتقاداته للصدر”.

وفي فيديو آخر قال أبومهدي الذي يتزعم المنظمة إن جماعته ستعاقب أي عراقي أو عراقية، وأي عربي لا يلتزم القيم الإسلامية والعربية، ويمارس في حياته طريقة حياة الغرب. وأكد أن “أنشطة مجموعته لا تنحصر في ألمانيا، بل تتعداها إلى دول أوروبية أخرى مثل السويد والنمسا والدنمارك وهولندا”.

واعترف بأنها – المجموعة – “تتعامل من دون تأنيب ضمير مع أي شخص، وأن الذين يأتون إلى أوروبا عليهم أن يعرفوا ضرورة التزامهم الأدب والأخلاق ونمط الحياة الإسلامية، لا الغربية”. وقال “إن البعض منكم يحتاج إلى جولة من الضرب المبرح على الطريقة العراقية، وأنتم تعرفون ما أقصده بذلك”، نافيا في فيديو آخر “أن تكون المجموعة بمثابة مافيا عراقية”، واصفا ذلك بالهراء.

سبب رغبة العصابات في زج اللاجئين الشباب في أعمالها أن الكثير منهم وصلوا وحيدين إلى ألمانيا

ونقلت دويتشه فيله عن شخص عراقي هرب من وطنه مهدد من قبل مجموعة “السلام 313”، لأنه يعيش بأسلوب غربي، ولأنه يعبر عن رأيه بكل حرية، وبإمكانه أيضا أن يوثق التهديدات، فجهازه المحمول مليء برسائل التهديد بالقتل من هذه المجموعة.

ولا يرغب في كشف اسمه بناء على نصيحة جهاز أمن الدولة، ويقول إنه يعرف عراقيين آخرين يعيشون في المنفى تلقوا تهديدات مماثلة.

وحسب معلومات هيربرت رويل وزير داخلية ولاية شمال الراين – ويستفاليا، استغرقت التحضيرات لشن مداهمات ضد شبكة “السلام 313” العراقية عدة أشهر.

وأوضح الوزير أن المداهمات كانت تهدف إلى ضبط أدلة وإثباتات. فالتهم الموجهة متنوعة وكثيرة. وعمليا تجري التحريات ضد 34 شخصا مشتبها بهم عراقيين وسوريين. والتهم متنوعة: خروقات لقانون رقابة أسلحة الحرب وتهريب البشر وتزوير جوازات السفر إلى جانب جنح تتعلق بالمخدرات.

وتحدث الوزير رويل عن تحقيق نجاح كبير في ما يخص توجيه ضربة قاصمة للجريمة المنظمة.

عمليات ثأر

غالبا ما يدفع الشباب المنضمون إلى هذه العصابات حياتهم أثناء المنافسة مع العصابات الأخرى التي تنشط في عدة دول أوروبية، فقد قتل مسلح الشاب روج شمال (23 سنة) أمام باب داره في العاصمة السويدية، ستوكهولم.

وينتمي روج شمال إلى عائلة كردية تقيم منذ فترة طويلة في السويد، وهي من السليمانية أصلا هاجرت إلى السويد في تسعينات القرن الماضي، وقد ولد روج في السويد في 5 سبتمبر 1995.

وكان روج مغني “راب”، وتنفي عائلته أن تكون له أي علاقة بأعمال عنف، لكن مصدرا أكد أنه “كان متورطا”، وهي العبارة التي تشير في السويد إلى أعمال العنف والعمل مع أو ضد العصابات، ويصبح هؤلاء في الأخير هدفا لعمليات ثأرية.

وقال شخص قريب من العائلة “مثل الكثير من القتلى الشباب الآخرين، كان متورطا في أعمال تلك العصابات وقد قتل انتقاما”، ولكنه نفى أن يكون روج قد تورط في أعمال قتل وتهديد، كما أشيع في شبكات التواصل الاجتماعي وبين قسم من الكرد المقيمين في المدينة.

وقبل أشهر، قُتل أخ لروج بنفس الطريقة على يد عصابة في ستوكهولم، هددت حينها بقتل أصدقائه وأقاربه المقربين أيضا.

وانتشرت شائعات بين الكرد السويديين تقول إن روج أطلق تهديدات وشارك في أعمال قتل، لكن أحد أصدقائه يقول “ربما يكون قد عبر عن مشاعره تجاه قتل أخيه بطريقة ما، لكن المؤسف حقا هو أن هذا يمثل تهديدا جديا لحياتنا جميعا”.

روج هو ثالث شخص في العائلة يقتل من قبل تلك العصابات التي قتلت أخاه وشخصا آخر في وقت سابق.

 وأعلنت الشرطة بعد يومين من الحادث اعتقال المشتبه به الرئيس، وهو شاب سويدي في الخامسة والعشرين، لكن المحكمة لم تحسم القضية بعد، ولم يشر أي مصدر في الشرطة إلى سبب قتل روج البالغ 23 سنة من العمر.

وتطلق إيطاليا هي الأخرى تحذيرات بشأن وقوع طالبي اللجوء فريسة سهلة للشبكات الإجرامية ويعمدون إلى ارتكاب الجرائم، بحسب ما ذكر المدعي العام في مدينة جنوى فرانشيسكو كوتزي، قائلا “إن طالبي اللجوء العاطلين عن العمل ولا ينشغلون في نشاطات مفيدة وتعليمية هم الأكثر عرضة للوقوع فريسة للشبكات الإجرامية وارتكاب الجرائم”.

وأوضح أن “هناك مراكز استضافة ليست لديها برامج مهنية أو تعليمية، ما يجعل الشباب عاطلين عن العمل، وقد لاحظنا في هذه الحالة أن طالبي اللجوء المرتبطين بتلك المراكز يعمدون إلى العمل في بيع المخدرات”.

وأضاف كوتزي أنه “على العكس، فإن المراكز الجيدة تقوم بإشراك الشباب في تعلم المهن حتى يكونوا مفيدين للمجتمع الذي يعيشون فيه”.

وكان المدعي العام يتحدث قبل أن تقوم الشرطة بتنفيذ عملية أطلق عليها اسم “لابرينتو 2”، والتي أدت إلى اعتقال 13 مشتبها بهم في ترويج المخدرات، من بينهم ستة طالبي لجوء.

وتم توجيه الاتهام لهذه المجموعة التي تضم عددا من القاصرين بإنشاء شبكة لبيع المخدرات، حيث كانت تبيع حشيشة الكيف والماريغوانا وغيرهما، وذلك وفقا لما ذكره المحققون.

Thumbnail
19