اللاجئون يواجهون الحقيقة.. لا ميزانيات للمدارس في الشرق الأوسط

الثلاثاء 2016/08/09
محاولة شرح المعضلة للمجتمع

بيروت – ذكر تقرير نشرته منظمة “ذير وورلد” وهي منظمة دولية خيرية تعنى بالأطفال، أن المدارس في منطقة الشرق الأوسط تواجه عجزا كبيرا في الميزانية قبل انطلاق العام الدراسي الجديد، إذ يعاني مليون لاجئ سوري من الحرمان من التعليم.

ووضعت الحرب السورية، المستمرة منذ أكثر من خمسة أعوام، ضغطا كبيرا على أنظمة التعليم في المنطقة، وهو ما اضطر الدول المجاورة إلى اعتماد ميزانيات تقدر بمليارات الدولارات من الدول المانحة لتلبية احتياجاتها التعليمية.

وهناك 2.5 مليون طفل سوري مسجلون كلاجئين لدى الأمم المتحدة. ويسود الاعتقاد أن هناك أعدادا كبيرة من الأطفال غير المسجلين. ويعيش معظم اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن، في انتظار فرصة عودتهم إلى بلدهم المدمر.

وفي فبراير الماضي، تعهد المجتمع الدولي، خلال مؤتمر للدول المانحة أقيم في لندن، بتوفير 1.4 مليار دولار من أجل تمويل المدارس في الدول المضيفة، لكن لم يتم الوفاء إلا بأقل من 400 مليون دولار. وتقدر منظمة “ذير وورلد” أن هذا العجز سيخلف فجوة في التمويل تقدر بمليار دولار.

وقال كيفين واتكينز، مؤلف التقرير الذي تم نشره في وقت متأخر من يوم الثلاثاء الماضي، إن المانحين “أخلفوا وعودهم”.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنه يوجد في لبنان، أكثر من نحو 250 ألفا من الأطفال اللاجئين السوريين الذين هم في سن الدراسة، لا يتلقون أي تعليم رسمي، رغم الإصلاحات التي سمحت للمدارس العامة المكتظة بالعمل لفترتين يوميا.

ليس أمام الكثير من أسر اللاجئين السوريين من خيار سوى تشغيل أطفالها للمساعدة في تغطية النفقات الأساسية مع بعض الحماية الاجتماعية والقيود المفروضة على الحركة. ويواجه الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة صعوبات في المناهج الجديدة، ويعاني العديد منهم من اضطرابات ما بعد الصدمة أو مشاكل نفسية أخرى. وقال نجاح خيرالله جمعة، وهو لاجئ من مدينة حلب السورية يعيش في بلدة بر الياس في وسط لبنان، إن “المدارس تقبل اللاجئين السوريين، ولكن الأطفال لا يتأقلمون، وهم يسجلون ولكنهم بعد ذلك ينقطعون عن الدراسة”.

الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة يواجهون صعوبات في المناهج الجديدة، ويعاني العديد منهم من اضطرابات ما بعد الصدمة أو مشاكل نفسية أخرى

وحذّر التقرير، الذي أعدته منظمة “ذير وورلد”، من ظهور “جيل ضائع” من السوريين، إذا لم يتم اتخاذ خطوات صارمة لضمان التعليم للجميع.

وفي مجمع صغير من الأكواخ الخشبية تحيط به الزهور والأراضي الزراعية الخصبة على بعد حوالي عشرة كيلومترات من الحدود الشمالية للبنان مع سوريا، يجلس العشرات من الأطفال اللاجئين السوريين في الفصول الدراسية، ينتظرون بفارغ الصبر الغداء الذي يتم تقديمه لهم من مطبخ جديد خاضع لمعايير الجودة.

ويوجد حوالي نصف عدد اللاجئين السوريين (حوالي 470 ألف لاجئ) في سن الدراسة في لبنان، من الذين يفتقرون إلى التعليم، وتكافح العديد من الأسر من أجل تحصيل لقمة العيش. ويعتبر مركز التعليم الابتدائي “إحسان” حالة فريدة.

ويملك الأطفال هنا مختبرا يضم أجهزة الكمبيوتر المحمولة التي تم التبرع بها، وغرفة للموسيقى بها كومة من القيثارات والآلات الإيقاعية والبيانو، إلى جانب مكتبة مليئة بالكتب العربية والإنكليزية والفرنسية، ويزورهم أخصائي نفسي مرة في الأسبوع.

وتم تخصيص مدرب كرة قدم للأطفال وهم يمارسون الرياضة على ملعب مستأجر، وقد تبرع فريقا أرسنال ومانشستر يونيتد الإنكليزيين بالأزياء الرياضية المخصصة للأطفال.

ومع استمرار الحواجز المفروضة لمنع النفاذ إلى التعليم في لبنان، سيتعرض مئات الآلاف من اللاجئين السوريين للخطر لعقود قادمة، لكن بعض المنظمات الصغيرة غير الحكومية تحاول أن تتدخل.

وتدار هذه المنظمات غير الحكومية – مثل مؤسسة “ملاك”، وهي المنظمة المسؤولة عن “إحسان” – من طرف المتبرعين الأثرياء الذين يخففون بعلاقاتهم بعض العبء الذي يرتبط عادة بجمع الأموال للاجئين. وتقول أسماء أبوعزالدين رسامني، مؤسسة منظمة “ملاك” وزوجة واحد من كبار تجار السيارات في لبنان، حول “المسؤولية الاجتماعية للشركات”، إنها على اتصال مع بعض الشركات حول التبرع إما بالسلع وإما بالأموال.

بسام خواجة: هذه ليست مجرد قضية متعلقة بالتعليم، الأمر يتعلق بوضعية السوريين المقيمين في لبنان والقيود البيروقراطية عليهم

وتروي نعمت بزري، وهي سيدة أعمال ساهمت في تأسيس خمس مدارس في وادي البقاع، والتي تلبي احتياجات ألفي طالب، كيف تمكنت من تحصيل 60 ألف دولار في ثلاث ساعات.

وتساعد الجهات المانحة في الكثير من الأحيان على تمويل جانب محدد من المشاريع، مثل رواتب المدرسين، ووجبات الطعام لأسر اللاجئين، أو الأدوات لغرفة الموسيقى، وهي لا تريد الانخراط بشكل كبير في تمويل الجمعيات الخيرية.

وتلقت المدارس، مثل تلك التي تديرها مؤسسة “ملاك” والسيدة بزري، مساعدات من الشركات الناشئة في المجال الإنساني. وتشمل هذه المساعدات منظمة “ذكي”، وهي منظمة غير حكومية تديرها ردينة عبده المقيمة في أبو ظبي، والتي تهتم بجمع أجهزة الكمبيوتر المحمولة وتحميل المناهج التعليمية عليها قبل إرسالها إلى المدارس.

ويبدو أن النساء الثلاث يعملن بمرونة تبدو غائبة عن عالم المنظمات غير الحكومية. وغالبا ما يتم إعطاء وزن للجمعيات الخيرية استنادا إلى تقارير التقييم والقيود الصارمة على الميزانيات، وهي حبيسة النطاقات الرسمية للمشاريع.

لكن منظمات مثل تلك التابعة لرسامني وبزري تبدو قادرة على تلبية الاحتياجات بسرعة، حتى لو لم ترتبط بشدة بمجال التعليم. وإذا كان هناك شخص جائع، يقدمون على إطعامه، وإذا كان الأطفال يعيشون بعيدا عن المدرسة، يوفرون لهم حافلات النقل المجاني. وبعد سنوات من التعامل مع أزمة اللاجئين في لبنان، تبدو عملية النفاذ إلى التعليم غير بسيطة بسبب عدم وجود أماكن كافية لللاجئين في المدارس.

ويقول بسام خواجة، وهو ناشط حقوقي معني بالأطفال “هذه ليست مجرد قضية متعلقة بالتعليم، الأمر يتعلق بوضعية السوريين المقيمين في لبنان والقيود البيروقراطية التي وضعتها الحكومة اللبنانية”.

والعديد من عائلات اللاجئين السوريين غير قادرة على تحمل حتى أبسط النفقات الإضافية. وعاش الكثير من السوريين في لبنان لسنوات، وفي حالة عدم وجود مخيمات رسمية للاجئين، يحتاج الغالبية العظمى منهم إلى دفع رسوم الإيجار والمواد الغذائية وغيرها من الضروريات الأساسية. وإذا تمكن أحد اللاجئين من العثور على عمل، فإنه غالبا ما يتلقى أجرا زهيدا.

ووفقا لوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعاني 90 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان من الديون.

وللحصول على الوضع القانوني في لبنان – والذي يمتلكه عدد قليل من اللاجئين اليوم نظرا لكون العملية معقدة ورسومها مرتفعة – يضطر اللاجئون إلى التوقيع على تعهد بأنهم لن يعملوا في لبنان.

وقال خواجة “إنهم لا يستطيعون دفع الرسوم أو النفقات المرتبطة بالتعليم مثل النقل كل شهر، وتكاليف الزي المدرسي وتكاليف الأدوات المدرسية الأساسية. هذه النفقات البسيطة تؤدي إلى حرمان الأطفال من الالتحاق بالمدارس”.

17