اللاجئ في اللغة

السبت 2014/10/11

لا تكتفي اللغة بكونها وسيلة تواصل بين الناس، أو جسرا إلى الآخر، بل تتبدّى عالما متكاملا من الدلالات والمصطلحات، من حمولات ثقافيّة ومعرفيّة، من جماليّات وتعابير ومفردات الحياة التي تثرى بها.

يحفل تاريخ الأدب بكثير من الأدباء الذين كتبوا بلغة غير لغتهم الأمّ، أبدعوا فيها، وأصبحوا علامات فارقة في أدب اللغات التي استوطنوها، أو سكنوها، أو وجدوا أنفسهم نازحين إليها.

يذكر إدوارد سعيد في مقدّمة كتابه “خارج المكان” أنّه ظلّ مهووسا بجوزيف كونراد الذي ألّف عنه كتابه الأوّل سنة 1966، يحاجج أنّ كونراد عاش تجاربه في اللغة البولنديّة لكنّه وجد نفسه مقادا إلى الكتابة عن تلك التجارب في الإنكليزيّة، ويعتقد أنّ سبب تفرّد كونراد وتميّزه يعود إلى شعوره بوجود تباين دائم بين تجاربه وبين اللغة التي استخدمها لوصف تلك التجارب. فكأنّه عاش في لغة وكتب بلغة أخرى.

يقارن إدوارد بينه وبين كونراد من حيث استخدام الأنكليزيّة، ويرى أنّ الفارق بين العربيّة والأنكليزيّة يتّخذ شكل توتّر حادّ غير محسوم بين عالمين مختلفين كلّيّا، بل متعاديين: العالم الذي تنتمي إليه عائلته وتاريخه وبيئته وذاته الأوّليّة الحميمة، وهي كلّها عربيّة، من جهة، وعالم تربيته الكولونياليّة وأذواقه وحساسيّاته المكتسبة ومجمل حياته المهنية معلّما وكاتبا من جهة أخرى.

يعترف إدوارد سعيد في مقدّمته أنّه لم يحظ بلحظة راحة واحدة من ضغط واحدة من هاتين اللغتين على الأخرى، ولا نعِم مرّة بشعور التناغم بين ماهيته على صعيد أوّليّ وصيرورته على صعيد آخر. تراه يكتب: “وهكذا فالكتابة عندي فعل استذكار، وهي، إلى ذلك، فعل نسيان، أو هي عملية استبدال اللغة القديمة باللغة الجديدة”.

حين يكتب كاتب ما بلغة أخرى فإنّه يقيم فيها، دون أن ينسلخ عن لغته الأصليّة، يحلّق في عوالمه بعيدا عمّا يمكن توصيفه بـ”رهين المحبسين”، لأنّ اللغة تفسح فضاء من الحرّيّة، ولا تحبس أحدا في خنادقها.

بعيدا عن البحث عن هويّة للأدب، أو هويّة للأديب، فإنّ هويّة الأدب الإنسانيّة تطغى على هويّة الأديب التي قد يقيّدها انتماء مكانيّ أو قوميّ، رغم ما يشتمل عليه من إغناء في الحالتين، لا من حيث التضييق والاتّهام بالانتساب المكانيّ أو الإثنيّ.

مَن أجدر من الأديب بالإقامة في فراديس اللغات، وهو الذي ينهل من مناهلها العذبة، ويستلهم من ذخائرها ودررها، ويعيد رسم العالم بمفرداته، ويجمع بين الفضاءات، ويحوك بالكلمات منمنمة الأدب ولوحة الحياة..؟!

كاتب من سوريا

17