اللاجئ واليتيم والهارب.. الشاعر صوت كوني

الأحد 2015/11/22
تخطيط: ساي سرحان

لم يعد شكل المديح والرثاء والهجاء والغزل مثل ما كان عليه في القديم، فيمكن أن نرثي “مدينة” نسفت في غارة حربية أو أمّ وأطفالها قصف بيتها واختلطت الأجساد بالحجر والحديد.

ويمكن أن نتغزّل بذكرى حبيب كان محاربا ثم انتهى إلى شهيد معركة لا طائل منها سوى الخراب المتواصل. لقد تطور الشكل والأسلوب والغرض في النص الشعري الذي تنقّل من العمودي إلى الحداثي إلى النثري، فشاعر اليوم غير شاعر الصحراء والبيداء والخيل والسيف، أو الخمرة والغزل أو شعراء الحداثية الموغلة نصوصهم أحيانا في الرمزية والغموض.

لقد تغير العصر وتنامت أطر التواصل والاشتباك اليومي بين القارات والثقافات، حيث ساهمت الحروب والثورات في تنمية الأغراض التي يتناولها شاعر اليوم وبات حريّا به أن يخاطب صميم وجدانه لتطويع اللغة والأفكار والمشاعر حسب ما تصدّره حقيقة الشعوب والحروب في صراعها من أجل البقاء يحضن تاريخه وهويته وضرورات إنسانية تحكمها ثنائيات الخير والشر، الحياة والموت، الحرب والسلام، الحرية والاستعمار، الأرض والتهجير، القاتل والضحية، الحق والباطل، الدين والدولة..

صار من الضروري على الشاعر أن يكتب عن آلام وأوجاع الإنسان هذا الذي تحول إلى “لاجئ”، “منفي”، “شهيد” أو “قتيل”، ﻓﻬو شريك أساسي في ﻋﻤﻠﻴّﺔ كتابة التاريخ وتدوينه ليصبح الشاهد على حقيقة الواقع (حرب، قتل، اغتصاب، تعذيب، تهجير..) قام بإعلاء صوت “الجريمة” عوضا عن صوت الحياة والعيش بكرامة.

وفي هذا السياق التاريخي يصبح الشاعر المدوّن والمؤرخ والكاتب، فهو الإنسان الذي تلبسه كل حالات و”أغراض” الشعر المعاصر، فقد يكون هو اللاجئ واليتيم أو الهارب من الحرب برائحة نزقها، وهو المبتور الساقين أو اليدين أو المشوه جسديا وروحيا، وهو المريض النفسي والمتعب والمغترب ذاكرة وجسدا. فهو كل شيء يجعل الشعر ينطق بالحقيقة، التي قد لا تعجب رجل السياسة والانتهازيين وتجّار الدم وغيرهم ممن يسعون إلى تدمير الضمير الإنساني ونشر ثقافة الظلام وتسييد الاغتراب الكوني.

فكان لا بد له أن يواجه واقع الجريمة، كاشفا فظاعتها وخطورتها واضطهادها اليومي لأمن وسلام البشرية مساهما في التصدي لها كشكل من أشكال المقاومة اليومية، فالحروب مستمرة ومتناسلة والقتلى في كل مكان والجرائم ما انفكّت ترفع أصواتها هنا وهناك وتنكّس صوت الحياة.

صار من الضروري على الشاعر أن يكتب عن آلام وأوجاع الإنسان هذا الذي تحول إلى "لاجئ"، "منفي"، "شهيد" أو "قتيل"، ﻓﻬو شريك أساسي في ﻋﻤﻠﻴﺔ كتابة التاريخ

لقد أصبحت نصوص شعراء اليوم أكثر واقعية وأقرب إلى مخاطبة “التصوير الشعريّ الحي” الضارب في عمق القضايا والذود عن إعلاء صيغ “الأنا”، حيث تبحث “أنا” الشاعر اليوم عن موقع في النسيج الواقعي المستبطن بوجع المجموعة متوسلا صيغا لغوية وتعبيرية حديثة ومعاصرة تكشف منابت الجريمة وتعرّي جذور “المجرمين” الذين اعتبرهم أرسطو أعداء المجتمع، فبات الشاعر حنجرة هذا الأخير وصداه ممّا أخرجه من أطر ذلك اللاعب بالكلمات، الزاهي المتغنّي بالبلاط أو غيره من سبل كسب الرزق والعيش الناعم غير مبال بإكراهات الموت والحياة لدى جيل عصره.

إن العودة إلى وقائع الموت الجماعي على اليابسة أو البحر، ينثر الشاعر كليّا كنصوصه ساردا حائرا متوجّعا ويحوّله إلى أيقونة تؤازر هذا النثر “الوحشي” في كيفية الموت.

حيث يتشكل في المشهد بحس ومسؤولية مباشرة وحيّة نظرا لقسوة وفجيعة “الصور” وآثارها في المدلول الباطني لاضطهاد الإنسان سواء كان الضحية أو الشاهد على ذبح الموروث الإنساني فيسعى إلى كتابة صور هذه الوقائع بذاكرته وذاكرة من مرّوا عبثا أو غيابا، وتتحوّل تجربته الحيّة إلى قنّاصة الحدث؛ لتأخذ النصوص أبعادها الإنسانية التي قد تفتّت تفاصيل المقاومة والهزيمة أو الموت والبعث في آن واحد.

لقد أضحت تلك الوقائع ناطقة عصر مكبّل بحقائقه المتغيّرة تصدم الشاعر وتربكه أو تغرّبه عن الأصداء القيميّة والحضارية المستوجبة، وما سقوط القيم وخراب الأوطان إلا حقيقة عصفت بطموحات الإبداع في مجتمعات متحضرة، متوازنة ومدنية تحترم فيها الحريات واستقلالية الشعوب فتهاوت قيم الديمقراطية، والحرية، والحوار والاعتراف بالآخر، والتسامح واعتلت أصوات التغريب والترهيب ومثلما أن للشعر أغراضه، فإنه حتما هذه الأخيرة تصبّ في مسار الوجود الإنساني الذي يعتبر شغل الشاعر الدائم يستكشفه بكل الحالات “الوجدانية” و”الكونية” متجاوزا “أناه” معانقا تساؤلات “الأوطان” والمعرفة والإنسان، ساعيا ليستوفي طرق القضاء على خراب “الإنسان” و”الوطن” وهو ما سيجعل صوته وموقفه مميّزا عن بقية اللاعبين باللغة والكتابة والتعبير، فهو ليس كائنا سياسيا أو مضاربا في بورصة أوراق نقدية، وهو ليس واعظاً دينياً أو موزعا لصكوك الغفران والرحمة، من هنا فقط سيبقى ضمير عصره والجندي الأول في معركة الحرية، تلك تخوضها تجربة الشاعر الحرّ والمقاوم الذي يملك حساسية رفيعة تستشعر أوجاع الحاضر والمستقبل.

شاعرة من تونس

11