اللاحقون هاجس السابقين

السبت 2015/02/07

إن لعنة الأجيال السابقة هي الأجيال اللاحقة، بهذا عبر الفيلسوف إيميل سيوران عن تعاقب الأجيال. لعلنا نرى في هذه القولة للفيلسوف العدمي نوعا من السوداوية الفكرية أو شيئا من هذا القبيل، لكن لو سحبنا هذا الكلام إلى الساحة الثقافية سنجد له موضعا، ولو بتغيير جزئي في المعنى، كأن نقول مثلا إن هاجس الأجيال السابقة هو الأجيال اللاحقة، ونقصد بالهاجس تلك الفكرة التي تبلغ أهمية تحوّلها إلى راسخة وضرورية ودائمة لا يصلها تلف أو تقادم.

ستكون لأجيال المبدعين اللاحقة التي ستأتي خصوصياتها النفسية وحتى البيئية والفكرية، وسيكون بذلك منتجها، بعيدا عن التصنيف النوعي أو القيمي، أكثر وعيا والتصاقا بعصرها مما سبق. فتعاقب الأجيال يجب أن يكون دافعا للمبدع حتى يكون على طريق التحديث الدائم، خاصة وأن الإبداع ليس ذاك الفعل الثابت، لذلك فتفاعل الأجيال أمر ضروري للحفاظ على الإبداع من سطوة الزمن، وتناسقه مع عصره وإنسان عصره بكامل متطلباته.

في الوطن العربي بمختلف مجتمعاته التي تتشابه كثيرا رغم اختلافها، نعود إلى مقولة إيميل سيوران، حيث اللاحقون هم لعنة السابقين، تلك اللعنة التي يجب مقاومتها وحتى استئصالها، وإن استعصى ذلك تسعى الأجيال السابقة إلى تنميط اللاحقين أو تأطيرهم وفق رؤاهم السابقة، وكل ما يخرج عن ذلك فهو لا يخضع للجام الانضباط القيمي وغيره من المعايير، التي ينسون أنها تتغيّر.

هذا يحوّل العلاقة بين الجيل السابق واللاحق إلى علاقة تقاطع، فيرفع بذلك اللاحقون شعار “قتل الأب”، ويرفع السابقون يافطة “التغريب وضياع القيمة”، وغير ذلك من التهم التي يلصقونها بمن يلحقهم من الأجيال.

يخلق التقاطع بين أجيال المبدعين في العالم العربي أزمة “جيلية”، تنعكس بدورها على الإبداع ككل، فتخلق منه شقين كبيرين هما القديم المتكلس والجديد الذي لا يعرف وجهة له، هذان الشقان يمزقان أيّ عمل إبداعي، وأيّ مسار أدبي وفني يبغي الحداثة والنجاعة والتأصل في مجتمعه. وربما ينجو من هذين الفكين من يقدّم إبداعا ما، لكنه سيظل فرديا ينسى دون تأثير أو فاعلية. إذن إن تفاعل الأجيال بشكل سلس بعيدا عن الوصاية أو غيره، هو ضرورة قصوى للنهوض بالإبداع والمبدع العربي. ولنا أن نسحب أيضا هذا حتى على الساحة السياسية والاجتماعية، إلخ.. فتفاعل الأجيال هو الكوناتوس الجديد.


شاعر من تونس

17