اللاذقية متحف مفتوح تأبى الدمار

الأربعاء 2015/04/01
المتحف الوطني افتتح يشغل خانا أثريا يسمى خان الدخان

اللاذقية (سوريا)- تتربّع مدينة اللاذقية اليوم على حافة الحرب الأهلية الدائرة رحاها في سوريا، ومع ذلك تأبى المدينة منطق الدمار، وكأنّها قد أخذت على عاتقها تذكير العالم بأنّها موطن ولادة الأبجدية، ومتحف حضاريّ يشكّل نموذجا فذا للتسامح والتعايش بكل مستواياته..

تستقبل الزائر لمدينة اللاذقية السورية أشجار الحمضيات والزيتون والدفلة والسرو التي تحفّ الطريق من جانبيه. وتبعد اللاذقية عن دمشق حوالي 340 كيلومترا باتجاه الشمال الغربي، فيما تبعد عن حلب نحو 180 كيلومترا.

يحيط المدينة البحر المتوسط من ثلاث جهات، بينما تحميها أشجار الغابات من الجهة الرابعة. في هذا الجو الرائع تحتضن اللاذقية التاريخ، فتحفظه للأجيال وتعلّمه لهم جيلا بعد جيل. وتجمع هذه المدينة العريقة بين الطبيعة الساحرة التي تجعل منها منطقة سياحية، وبين التراث والتاريخ الممتد في عمق الزمان.

يرجع تاريخ المدينة إلى عهد الفينيقيين، الذين أسّسوها وأطلقوا عليها اسم “راميثا”، وكانت واحدة من المراكز التجارية المهمّة في ذلك الوقت، حيث كان يتردّد عليها التجار من كلّ مكان في العالم، وتعبيرا عن مدى إعجابهم بها أطلقوا عليها اسم “لوكية آلته” ومعناه باللغة اليونانية “الشاطئ الأبيض”.

وما يؤكّد هذا العمق التاريخي، أنّه عثر على قطع فخارية تعود إلى العصر البرونزي الحديث، وهو ما كشف أن “راميثا” كانت في ذلك الوقت تابعة للمملكة الأوغاريتية، وينتمي سكانها المشتغلين آنذاك في الصيد والتجارة إلى الفينيقيين.

وكان الملك السلوقي، سلوقس نيكاتور، وهو أحد قادة الإسكندر الأكبر، قد أطلق في القرن الرابع قبل الميلاد اسم والدته لوذكية على المدينة، مثلما سمّى أنطاكية على اسم والده أنطوخيوس. وبذلك جدّد نيكاتور بناء اللاذقية وجعلها عروس مدن البحر المتوسّط ومدينة المدن، وأصبح لوذكية أكثر الأسماء شيوعًا للمدينة، ولم يُعدّل إلاّ جزئيا بعد وصول العرب إلى الشام.

الآثار المكتشفة في اللاذقية ومحيطها تدل على أنها كانت على مستوى معماري عال منذ العصور القديمة

أما السكان المحليّون، فقد سمّوها مزبدا التي تعني باللغة العربية زبد البحر، بينما أطلق عليها الإمبراطور جوستيان اسم "تيودوريارس"، في حين أسماها الصليبيون "لاليش".

أما في عهد يوليوس قيصر، فقد حصل أهل اللاذقية على حقوق المواطنة الرومانية، بسبب اشتهار المدينة بصناعة نوع من قماش الكتان الفاخر، وهو ما لاقى آنذاك استحسانا كبيرا لدى وجهاء روما.

وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أنّ اللاذقية استطاعت، عبر هذه العصور، أن تحتلّ مكانا متميزا على الساحة التجارية بين المدن المهمّة في ذلك الزمن، حتى أنّها أصدرت نقودا باسمها، ووضعت أوزانا معدنية. أما بالنسبة إلى العمارة ومخطط المدينة، فقد كانت متجانسة مع الطراز الإغريقي، من حيث شوارعها المتوازنة والمتقاطعة بزوايا قائمة، وأبنيتها الجميلة المتناسقة، بما يعكس التخطيط والنظام المحكمين اللذين يلتزم بهما سكّانها قبل مباشرة أشغال التعمير والبناء.

وبعد الفتوحات العربيّة الإسلاميّة إلى بلاد الشام، تولّى عبادة بن الصامت، والي حمص، فتحها سنة 17 للهجرة، وكان قد أرسله الصحابي أبوعبيدة بن الجراح، بعد عام واحد من معركة اليرموك الكبرى التي انتصر فيها المسلمون على الروم بقيادة خالد بن الوليد.

ومنذ ذلك الوقت تحوّل اسمها من لوذكية إلى لاذقية، ولم يقتصر التغيير على اسمها فقط، بل امتدّ إلى طبيعة الحياة داخل المدينة، حيث بدأت تصطبغ بالصبغة العربية الإسلامية مثل سائر المدن التي حكمها المسلمون.

ونتاجا لهذه الرحلة الطويلة عبر التاريخ، أصبحت اللاذقية غنيّة بتراثها التاريخي والأثري، وتنوّع كنوزها الأثرية وتعددها، ومن أبرزها “أوغاريت” في منطقة رأس شمرا، على بعد 15 كيلومترا شمال اللاذقية، فعلى هذه الأرض عاشت الأقوام الفينيقية الكنعانية في مدينة تقارب مساحتها مساحة المدينة الحالية.

وفوق هذا التراب ظهرت أوّل أبجدية عرفها العالم، واستطاع الإنسان عن طريقها أن يسجّل أفكاره وتاريخه لينقله إلى الآخرين، ومن خبايا هذه الأبجدية الأوغاريتية نبع ما يعرف اليوم باللغات الحيّة.

وتضم مدينة أوغاريت القديمة مجموعة من الآثار أهمّها: بقايا القلعة على السطح الغربي، ويظهر منها الباب المفتوح في السور، والقصر الكبير ومساحته 10 آلاف متر مربع، ويضمّ تسعين غرفة، والقصر الصغير الذي عثر فيه على مجموعة من الوثائق تؤكد أنّ الديوان الخاص بتجارة أوغاريت كان يقع فيه.

أطلق عليها الملك السلوقي، سلوقوس نيكاتور، أحد قادة الإسكندر الأكبر، اسم والدته لوذكية، وجعلها عروس مدن البحر المتوسط ومدينة المدن

الشوارع المتقاطعة في المدينة تشمل أيضا حيّ المساكن الفخمة، ويضمّ منازل وشوارع واسعة، منها منزل ربعانو ومكتبته الخاصة وبها لائحة بأسماء آلهة أوغاريت وما يقابلها عند البابليين، فضلا عن قواميس باللغة الأوغاريتية وما يقابلها في اللغات الأخرى.. كذلك الحي الجنوبي وهو حيّ التجار وأصحاب المهن والصناع، أما الأكروبول فيضمّ أنقاض معبد بعل، ومعبد داغون ومكتبته الشهيرة التي عثر فيها على ملاحم وأساطير.

وتشتهر اللاذقية أيضا بقوسها الكبير الذي بناه الإمبراطور سيفروس عام 194 ميلادي بهدف تجميل المدينة مكافأة على وقوفها معه في حربه ضد كاسيوس، واختار له حي الصليبية في قلب المدينة، ويمتاز القوس ببنائه المتين الذي استطاع الصمود أمام نوائب الزمن الطويل، ويطلق أهالي اللاذقية على هذا القوس عدة تسميات منها كنيسة معلقة والقوس المربّع وقوس النصر.

كما تزخر المدينة كنيسة القديس نقولا، التي تعود إلى العصر المسيحي وتعدّ من أقدم كنائس اللاذقية، حيث بنيت خلال القرن الخامس ميلادي، وكذلك كنيسة السيدة في سوق البازار، أما كنيسة اللاتين التي يعود تاريخ بنائها إلى بدايات هذا القرن، فتعتبر من أجمل الكنائس في المدينة.

وتدلّ الآثار المكتشفة في مواقع مختلفة باللاذقية ومحيطها أنّ المدينة كانت على مستوى معماري عال منذ العصور القديمة، فقد استخدم بها السيراميك، منذ الألف السادس قبل الميلاد، في تزيين المباني فضلاً عن الفخار الملوّن والخزف الذي يمتاز بزخرفته الناعمة وأشكاله المختلفة.

أمّا بالنسبة إلى الآثار الإسلامية في اللاذقية، فهي تعود إلى القرن الثاني عشر، وتتنوّع بين المساجد والجوامع والحمامات والزوايا، ومنها جامع البطراني والجامع الظاهري الذي أصبح مكتبة للأوقاف، فضلا عن جامع الخشخاش والتونسي والأقساطي والصليبية والبازار والعجان. وبالإضافة إلى الجوامع توجد في اللاذقية أيضا مجموعة من الحمامات الأثرية مثل: القاشاني والعوافي والعنابة والعشر. وكانت قلعة صلاح الدين الأيوبي، البعيدة نحو 3 كم عن المدينة، قد اختيرت كواحدة من مواقع التراث العالمي المحمي من قبل اليونسكو.

ولم تنل المدينة في العهد العثماني اهتماما عمرانيا كبيرا، وكان الطراز العام للمنازل بشكل بناء من الحجارة مؤلّف من طابقين. ويتميز النمط العثماني الحديث بالأسقف المرتفعة والغرف الواسعة المساحة، بالإضافة إلى وجود فسحة مكشوفة للهواء الطلق يطلق عليها اسم الإيوان.

زيارة المدينة لا تكتمل دون التعريج على متحفها الوطني الذي افتُتح في منتصف الثمانينات، ويشغل خانا أثريا يعود إلى القرن السابع عشر ميلادي، وكان يسمى خان الدخان. يضمّ المتحف عددا كبيرا من القاعات الموزّعة على طابقين، وتحفل هذه القاعات بالمقتنيات الأثرية القيّمة التي تنتمي إلى مختلف الفترات الزمنية التي مرّت بها المدينة، وتأبى الدمار رغم الحرب الطاحنة الدائرة في البلاد.

20