اللاطمأنينة

الأربعاء 2017/08/09

حين ترجلت من الميترو في جادة “سانتا ماريا مايور” بمركز لشبونة، كنت أبحث عن ملامح المدينة القديمة التي سكنتني، قبل أن أكتشف أن المدن تغير جلدها باستمرار، كلما تبدّل عشاقها ومستوطنوها.

لشبونة على النقيض من مدريد أو باريس أو روما لا يليق بها الانحدار الحثيث إلى بلورات الحداثة الصقيلة، مثلما لا ينبغي لأي حاضرة يحاصرها البحر أن تتحول إلى كتل من الهياكل الزجاجية المخيفة، لم أستحضر فيرناندو بيسوا لنفوري الشديد من تحول المدن إلى احتكارات أبدية لأسماء ورموز ثابتة، كنت أفكر في النحات شواريس ضوس راييس المازج بين الفخامة النيوكلاسيكية والحس الرومانسي، كان يليق كاستعارة للشبونة المتداعية في الزمن، المتعلقة، رغم جراحها، بوقار ملوكي لا يذوي، ومثل نحاتها تماما امتدت أمجادها خارج الحدود.

في الطريق إلى بناية “كاسا دوس بيكوس” المحتضنة لمؤسسة جوزيه ساراماغو، كنت أحاول استيعاب هذا الانزياح التدريجي للمدينة من قوقعتها الصلبة، وإذا استعملنا مفردة بيسوا الملتبسة فإن لشبونة الساحرة ما فتئت تختزل غموضها وثراءها في لاطمأنينتها المؤبدة، تلك التي يتجاور فيها الرفاه والعوز، الانكماش والترامي، بطء الراجلين وسرعة السائقين الرعناء، رحابة الميادين وضيقها بطوفان العربات التي تجتاحها دون أن يجد نصفها شبرا للركون، ونهمها لاحتضان علامات عالمية لا تليق بها.

تماما مثلما لا يليق بها اختصار وجودها كمجرد تنويع على حاضرة أم هي مدريد، التي لا تكف عن وصف نظيرتها المحشورة في زاوية المحيط بالشقيقة الصغرى.

ينتمي مبنى مؤسسة جوزيه ساراماغو إلى الحقبة الباروكية، وقد تم ترميمه وإعادة تصميمه من الداخل ليصلح لاحتضان مركز ثقافي يليق بتراث الكاتب البرتغالي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل، وحين افتتح قبل خمس سنوات كان طموح بيلار دي لريو، أرملة الروائي البرتغالي، هو أن يحقق لزواره فرصة الإطلالة على المدينة وذاكرتها وثقافتها ورطاناتها المحلية، وأيضا وبشكل أساس على ضفافها المائية التي طالما استوطنت وجدان عاشقي لشبونة، وكما كان يتوق إلى ذلك صاحب “العمى” على نحو خاص.

ليس المهم في المركز هو مكتبته المتخصصة في أعمال ساراماغو من كل لغات الكون، الأهم في اعتقادي، هو الأرشيف الشخصي النادر، الممتد من مسودات الرسائل ومفكرات المواعيد إلى الصور العائلية العتيقة، إلى أوراق سياسية قد يكون بينها مثلا محضر اجتماع أسبوعي لخلية الحزب الشيوعي البرتغالي في لشبونة، فيتسرب إليك تدريجيا وجيب اللاطمأنينة المتغلغل في المكان، واهبا إياك دفقة من أحاسيس غامضة تلتبس بالمدينة على الدوام.

كاتب مغربي

15