اللامرئي في أعمال الفنانين

"صالون القاهرة" يأخذ على عاتقه مهمة إحياء فن الرسم، الذي يعد أبرز ركائز التشكيل، وأهم أسس بناء الأفكار وتحويلها إلى إبداع مرئي في حيز الواقع.
الأحد 2018/03/11
رباب نمر: وجوه في جدارية

لا شك في أن التشكيل هو أعرق الفنون وأخصبها بمصر منذ عهد الفراعنة، ويعد “صالون القاهرة” هو أقدم فعالية فنية بمصر لا تزال تقام حتى الآن منذ العام 1921، لدعم التواصل بين الأجيال وتعميق الحوار بين الاتجاهات المتعددة وملاحقة تطورات حركة التشكيل العالمية.
وتنعقد في الوقت الحالي بقصر الفنون في دار الأوبرا المصرية الدورة الثامنة والخمسون لصالون القاهرة تحت عنوان “الرسم: الغاية والوسيلة”، بمشاركة حوالي مئة فنان ينتصرون بلوحاتهم للإنسان في مواجهة عصر التكنولوجيا والتسليع.
يكرم صالون القاهرة ثمانية رواد تشكيليين مصريين، تقديرا لعطائهم الممتد وتأثيرهم الفعال في مسار الفن الحديث، وقد افتتح الصالون مساء الرابع من مارس الجاري، ويقام بالتعاون بين قطاع الفنون التشكيلية برئاسة الفنان خالد سرور وجمعية محبي الفنون الجميلة برئاسة الفنان أحمد نوار.
ويشهد صالون القاهرة كذلك عددا من الندوات والورش الفنية المصاحبة للحدث، لتحقيق الهدف المنشود بإلقاء الضوء على فن الرسم “مجال الصالون هذا العام”، من خلال إطلالات نوعية متعمقة، وإتاحة الفرصة للتعرف على أحدث التيارات ومختلف وسائل التعبير.
ومن الفنانين المشاركين بالصالون: عصمت داوستاشي، سمير فؤاد، أحمد نوار، رباب نمر، حمدي أبوالمعاطي، نذير الطنبولي، عماد إبراهيم، سيد سعدالدين وفتحي عفيفي، أما المكرمون فهم: سيف وانلي، تحية حليم، أحمد عثمان، السيد القماش، جميل شفيق، حسن سليمان، نحميا سعد وسعيد العدوي.

الرسم والعمق التاريخي

يكتسب “صالون القاهرة” أهمية خاصة تعود إلى عمقه التاريخي، إذ مضى على انطلاقه قرابة قرن من الزمان، ولولا عدم الانتظام في إقامته سنويّا بسبب الحروب والأحداث السياسية، لكانت دورته الحالية تحمل رقما أكبر من 58.

الدورة الثامنة والخمسون للصالون تشهد تواصلا بين أجيال مختلفة وحوارا بين اتجاهات وتقنيات متعددة لاستيعاب مستجدات حركة التشكيل بمصر والعالم

تأسس “صالون القاهرة” بمعرفة الجمعية المصرية للفنون الجميلة، وافتتح الصالون الأول في إبريل 1921 تحت الرئاسة الفخرية للأمير يوسف كمال، وفي العام التالي انعقدت الدورة الثانية برعاية الأميرة سميحة حسين، في حين انطلقت الدورة الثالثة في 1923 بإشراف “جمعية محبي الفنون الجميلة” بعد تأسيسها.
وقد التفتت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبدالدايم إلى هذا العمق التاريخي، مشيرة في تقديمها للصالون إلى أنه “يسترجع أحلام الفنانين العظماء مؤسسي هذا الحدث الكبير، وهم يضيئون مشاعل التنوير، ويشقّون محورا إبداعيّا لتلاقي المبدعين وجذب محبّي الفن المعاصر بمختلف أفرعه ومجالاته”.
وتضطلع “جمعية محبي الفنون الجميلة” بتنظيم الصالون حتى الآن، وقد اقترنت رئاسة الجمعية بأسماء لامعة في حركة الفن التشكيلي بمصر والعالم، منهم: محمد محمود خليل الذي ترأسها حتى العام 1953، وصولا إلى رئيسها الحالي الفنان أحمد نوار.
ويشير نوار إلى أن هذه العراقة تمثل دافعا قويّا لتقديم طرح جاد في صالون القاهرة، وتحريك واستدعاء أفكار جديدة مختلفة للفنانين، للخروج عن إطار النشاط الفني التقليدي الشائع، وتجاوز التكرار الذي انتشر بشكل لا يتوافق مع الحركة الفنية المصرية التي قدمت رموزا عبر عقود متصلة من التاريخ.
يأخذ “صالون القاهرة، 2018” على عاتقه مهمة إحياء فن الرسم، الذي يعد أبرز ركائز التشكيل، وأهم أسس بناء الأفكار وتحويلها إلى إبداع مرئي في حيز الواقع.
كما يعد الرسم مرجعية أصيلة تُمكّن الفنان من صياغة مفرداته ومعالجة عناصره بسلاسة، وتُعمّق حس الانصهار من أجل ابتكار حالة متجانسة متكاملة، قد لا تتاح لبعض الفنانين ممن لا يولون الرسم الاهتمام الكافي في مرحلة التشكّل والبناء.
 

ويوضح أحمد نوار أن أهداف الدورة الحالية للصالون تشتمل أيضا على اكتشاف اللامرئي في أعمال الفنانين، للوصول إلى الجوهر البنائي لرؤاهم الفنية، وهو ما يمثل حافزا مهمّا لنقاد الفن التشكيلي للتأمل والتدقيق والتحليل، ليدلوا بدلوهم، فتكتمل دائرة الاستفادة.
ومن خلال “فن الرسم”، يمكن للفنان إعادة اكتشاف ذاته، كما يقول الفنان سامح إسماعيل، قوميسير عام صالون القاهرة، مشيرا إلى أن فن الرسم يعاني من تواري طرحه كوسيط مستقل في المشهد التشكيلي المعاصر، باستثناء حالات قليلة من الفنانين الذين يتكئ مشروعهم على هذا اللون الفني الذي لا يزال قادرا على كشف أبعاد غير متعارف عليها في الخطاب التعبيري.

فيوضات إبداعية

يحفل “صالون القاهرة” بأعمال ذات زخم إنساني، تمثل فيوضات وتجليات مئة فنان من أجيال وتيارات مختلفة أدلوا بدلوهم في مسار حركة التشكيل الحديثة، وتتماشى انتقاءات الأعمال المعروضة للفنانين المعاصرين مع اختيار أسماء المكرمين، بوصفهم من الرموز البارعين في التقاط المشاعر الإنسانية، وتصويرها إبداعيّا ببراءة الخيال البكر.
يُكرّم “صالون القاهرة” ثمانية فنانين لهم رصيد مثمر في الرسم، هم: أحمد عثمان (1907-1970) صاحب البورتريهات فائقة الحساسية بالفحم، والسيد القماش (1951-2016) عازف الموسيقى بالحبر الشيني وصياد المشاهد الحية، وتحية حليم (1919-2003) مبدعة “الرصاص” بخطوط رفيعة على الورق، وجميل شفيق (1938-2016) مؤسس التكوينات الدرامية في فضاء الأبيض والأسود.

حمدي أبو المعاطي: تخطيط
حمدي أبو المعاطي: تخطيط

ومن المكرمين كذلك: حسن سليمان (1928-2008) أحد أبرع المعبرين عن الشخصية المصرية البسيطة بتجليات الفحم، وسعيد العدوي (1938-1973) سارد القصص الشعبية وحواديت القرية وحكايات الصيادين بالحبر الشيني، وسيف وانلي (1906-1979) عاشق الإسكندرية وحامي هويتها وصاحب التجارب المرهفة بالفلوماستر على الورق، ونحميا سعيد (1912-1945) أحد رواد التصوير والرسم بالأبيض والأسود.
وتأتي الدورة الـ58 لصالون القاهرة استكمالا لجهود فناني مصر في مجال الرسم، حيث الإفاضة بانتقائية واقتناص مشاهد حياتية وتفاصيل واقعية من أجل بلورة الإنسان كمحور للحدث، وما يتعلق بمكابداته وانفعالاته الداخلية، وانفتاحه على عناصر الوجود والكائنات الأخرى كما لدى عصمت داوستاشي، وحركيته اللامتناهية كما يصوّر سمير فؤاد، وصراعه مع الآلة والتقنيات كما عند أحمد نوار.
ويشهد الصالون كذلك مغامرات حمدي أبوالمعاطي ورباب نمر في هندسة الوجوه والأعضاء الآدمية، وغياب الملامح وذوبانها في الظلال عند فتحي عفيفي، والتحام الإنسان بالشجرة ومفردات الطبيعة لدى عماد إبراهيم، وحالات التصوف والائتلاقات الروحية في أعمال سيد سعدالدين، وسرديات الحياة الأسرية عند نذير الطنبولي.
وفي سبيل الانتصار للإنسان أيضا، بالتعبير عن المشاعر العميقة المنسيّة في ركام عصر المعلوماتية والسيطرة التكنولوجية على برمجيات حركة الحياة، يقدم العشرات من الفنانين الشباب أعمالا متفاوتة الأحجام، بين القصاصات الصغيرة واللوحات المتوسطة والأعمال الضخمة التي اتسعت لها جدران قصر الفنون متعدد الطوابق والقاعات.
وفي حين عمد فنانون إلى أقصر الطرق للتعبير عن الحالة والجوهر الإنساني المشع، باعتبار أن الرسم هو التعامل الطفولي من غير جاهزية ذهنية وقوالب مسبقة، فإن بعض التجارب الشابة وقعت في فخ الإبهار واستعراض القدرات، وهي سمة مألوفة في البدايات، ويتم تجاوزها مع المزيد من النضج.

11