اللايدي ماكبث ولعنات الرغبة

أوبرا فرنسيّة تحول خشبة المسرح إلى محكمة لكل امرأة اندفعت وراء رغباتها.
الأحد 2019/08/25
القاتلة محدّقة بضحاياها

يحاول المخرج البولندي كريستوف وارلوفسكي في عروضه المسرحية أن يقدم المرأة بوصفها شغوفة، مغامرة، لا تهاب مشاعرها،  كاسرا احتكار الرجل لأدوار العنف والقدرة على التضحية بكل شيء، ففي مسرحية فيدر التي أنجزها سابقا على خشبة مسرح الأوديون، يناقش تحولات فيدر ضمن ثلاثة نصوص مسرحيّة تدرس العلاقة بين العنف والرغبة، وخطورة المرأة إن قررت السعي وراء مشاعرها.

 يطرح وارلوفسكي هذا العام تساؤلاته حول حق المرأة في ملاحقة عاطفتها بشكل أشد استعراضيّة في أوبرا “لايدي ماكبث من حي مازنيسك” التي استضافتها خشبة أوبرا الباستيل، الحكاية مقتبسة من نوفيلا لنيكولا ليسكوف وألفها موسيقيا الروسي ديميتري شوستوكيفتش، وعرضت لأول مرة عام 1934، أما اليوم فنرى أنفسنا أمام أربعة فصول ضمن إخراج معاصر، يحضر فيها صدى شيكسبير صاحب مسرحيّة “ماكبث” و فلوبير صاحب “مدام بوفاري”، وستالين، الذي كتب مقالا في صحيفة البرافدا ينتقد بشدّة هذه الأوبرا في أول مرة عرضت فيها، ليقوم بعدها بمنعها من العرض في الاتحاد السوفيتي لابتذالها وموسيقاها الطفوليّة.

يحرر وارلوفسكي العرض المتهم بالإحالات الجنسية والشبقيّة من تاريخ تمثيله “المؤدّب”، إذ يقدم لنا العواطف المختلفة دون أي مواربة أو إحالات، لنرى أنفسنا أمام كاترينا التي لعبت دورها لسوبرانو أوزرين ستودنيت كنموذج لامرأة حرّة للأقصى، لا تهاب رغباتها، عبر أداء استعرضت فيه ستودنيت لا فقط قدراتها الصوتيّة، بل أيضا مهاراتها كممثلة ومؤديّة شغوفة انتهى بها الأمر في أحد العروض بإصابة جسديّة اضطرتها إلى مغادرة الخشبة، وكأن لعنة “المسرحيّة الاسكتلندية” تطارد كل من يحاول الاقتراب من إرث شيكسبير.

اختار وارلوفكسي أن يغير مهنة زوج كاترينا، فعوضا عن أن يكون زينوفي صاحب شركة زهور كما في النص الأصلي، هو يمتلك شركة لإنتاج اللحوم، لنرى أجساد الحيوانات المسلوخة أمامنا على الخشبة، في إحالة إلى مفهوم اللحم العاري عن كل “قناع”، ذاك المشابه لدواخل كاترينا الممنوعة من العمل في الشركة، والمجبرة على لعب دور الزوجة المطيعة والوفيّة، تلك المفترض أن تنجب وريثا للشركة، ما يجعلها أيضا عرضة للتأنيب بسبب سلوكها الميلو درامي، فلا فكاك لها من الدور المرسوم لها، ومن “الرجولة المفرطة” التي تحدق بها وتتحكم بحياتها.

داء الأرق القاتل

الأحمر ولعنة الدم الشيكسبيريّة
الأحمر ولعنة الدم الشيكسبيريّة

تعتلي كاترينا أعراض جسديّة بسبب حياتها الروتينيّة، فهي لا تنام، ومصابة بأرق مزمن، ويزداد الأمر حين يرحل زوجها في مهمة عمل، تُجبر إثرها على القسم له بالوفاء وعدم الخيانة أمام جميع الموظفين، فهي أشبه بجائزة لزوجها، أسيرة “حريم” من نوع ما، لا تمسّها يد، عليها فقط أن تؤدي الطاعة وتنجب وريثا.

الأرق والملل وأغلب أحداث العرض المفصليّة تحصل ليلا، في زمن الراحة والفراغ، زمن لا اقتصادي تنشط فيه كاترينا، وبعد أن تتعرف على سيرجي، راعي البقر، والمتحرش والموظف الجديد، تظهر موضوعة الملل الليلي مرة أخرى، إذ تقول كاترينا إن لا أحد يبتسم لها ولا أحد يداري أفكارها، ذات الأمر مع عشيقها المستقبلي سيرجي، فهو ملول يبحث عن زوجة مثقفة، فكلاهما غير قانع بما لديه، ويحلم بحياة رومانسية مليئة بالأحداث، وهذا ما يحيلنا إلى إيما بوفاري، التي دفعها السأم إلى التضحية بكل شيء في سبيل عشيقها.

هذه الأعراض الجسديّة كعدم القدرة على النوم والملل تظهر بشكل آخر في بداية العلاقة بين كاترينا وسيرجي، إذ يبدأ الأمر بينهما بتحدّ للمصارعة، ينتهي بسخريته منها لأنه أقوى منها، ليقوم لاحقا بغوايتها، ومخاطبا مللها وأحلامها الرومانسية، أثناء ذلك تنكشف علاقتهما لوالد زوجها الحريص على سمعة أسرته، وهنا نتلمس مفهوم الرجولة بوصفه كفاءة جسديّة ومهارة عضليّة مشابهة لتلك التي يمتلكها عمال زوجها في مسلخ اللحم، الذي يشبه “ناديا رجوليا” يحمي أفراده بعضهم البعض ويستعرضون قوتهم فيه، ساخرين من كاترينا التي ينتهي بها الأمر كأضحوكة أمام والد زوجها وموظفيه.

القتل في سبيل الشهوة
القتل في سبيل الشهوة

الأرق هو ما يفضح علاقة كاترينا، إذ يراها والد زوجها وهو يمشي في شركته ليلا، لتظهر اللايدي ماكبث الدفينة داخل كاترينا، لكن الاختلاف أنها لا تريد سلطة أو جاها أو ملكا، هي تريد عشيقها، والانتصار لرغباتها، وهنا تقتل والد زوجها تسميما، ليطاردها شبحه في وقت أرقها، وحين يعود زوجها بعد معرفته بموت أبيه، تقتله أيضا بمساعدة عشيقها، ويتركانه معلقا إلى جانب الحيوانات المسلوخة، شاهدا لن يُكتشف إلا في يوم زفاف كاترينا وحبيبها سيرجي.

تقتل كاترينا في سبيل من تحب، تندفع وراء شهواتها، مع ذلك لا فكاك من حتمية قدرها، إذ تتحول إلى عبرة حينما يُلقى القبض عليها من قبل الشرطة، لكن قبل ذلك، ومنذ البداية، المكان مصمم لـ”ذبحها”، فاللحم المسلوخ معلق فوق غرفة نومها، التي تبدو وكأنها في منتصف المسلخ،  وكاترينا فيها كلحم تتبادله أيدي الرجال لتكوينه وتسليعه، وكأن محاولتها للهروب من هذه القسوة ستنتهي بموتها، حتى عشيقها يحاول بعد نفيهما أن يتخلص منها لأجل امرأة أخرى، لينتهي الأمر بكاترينا ميتة،  ليظهر طيف اللايدي ماكبث مرة أخرى، عبر اللون الأحمر/ الدم، الذي يغطي كل ما حولها كثوبها وغرفتها، في تذكير دائم بأنها ستنتهي كواحدة من الجثث المعلقة في المسلخ.

دائرة التراجيديا

يتحول فضاء غرفة النوم الشفافة، ذات القضبان الحديديّة إلى زنزانة بعد إصدار الحكم على كاترينا وعشيقها، ليصبح بعدها عربة للترحيل، وكأن موتها مجهز له منذ البداية، فذات المكان الذي شهد أرقها، ثم خيانتها، سيقودها إلى خاتمة حياتها، أما صراخها بأشكاله المتعددة، خوفا، ولذة، وألما، ليس إلا تمهيدا لموتها/ صمتها، وكأن لا حرية لها إلا عبر صوتها.

أما جسدها فمحكوم في فضاء الحريم مهما تغيرت أشكاله وأحيط بأنواع الرقص والكاباريه والسيرك التي يقدمها وارلوفسكي على الخشبة، فلعنة اللايدي ماكبث تطاردها ولا مهرب منها إلا بالموت، خصوصا أنها مرئيّة للجميع، منتهكة دون أي خصوصيّة، عرضة لتحديقة الآخرين وشهواتهم، وكأن كل تضحيتها بل والقتل الذي ارتكبته ليس إلا جزءا من دائرة تراجيديّة لا بد أن تنتهي بالموت، فكاترينا كقطعة ديكور معطوبة لا بد أن “تكسر” في لحظة ما وتتوارى عن الأنظار.

مسلخ اللحم ونادي المفرطين في رجولتهم
مسلخ اللحم ونادي المفرطين في رجولتهم

 

14