"اللاينية" طريقة صوفية في السينغال آثرت فضيلة المحبة والمغفرة

الخميس 2014/06/19
الحشود المتشحة بالبياض تتدفق كل سنة على المسجد المقام على شاطئ بلدة يوف تلبية لـ«نداء سيدنا ليمامو لاهي» مؤسس الطريقة

داكار - لطالما مثّل السنغال معقلا للطّرق الصوفية بمختلف مدارسها في أفريقيا، ووفّر تربة خصبة لامتدادها وبلوغها إلى الناس، إلى حدّ أنّ المدارس الصوفية السينغالية أضحت تلعب أدوارا تتجاوز الأبعاد الدينية والروحية في هذه الدولة وحتى في البلدان الأفريقية الأخرى القريبة منه. حيث كان للصوفية دور حاسم في نزع فتيل الكثير من الخلافات السياسية الداخلية وبعض الأزمات الإقليمية ذات الأبعاد الطائفيّة والعرقية، بما تحمله في جوهرها من سماحة الدين والدعوة إلى التعايش والتحابب. كما إن الطريقة “اللاينية” لم تشذّ عن هذا الجوهر. طريقة نبذت العنف وانزاحت عن نهج الصراعات فأحبّها الناس وأرادوها.

ولأنّ “اللاينية” (وهي إحدى الطرق الصوفية مثلها مثل التيجانية والقادرية والمريدية) لا تؤمن بغير السّلم والتسامح سبيلا لعبادة الله والتعايش مع الآخرين المختلفين، لا تسمع من ألسنة مريديها غير عبارة: “إن اعترض أحدهم طريقك وقطّع سبحتك، فانحن لتجمع حباتها في هدوء، وإن منعك من ذلك، فاذهب واشتر واحدة أخرى”. هي عبارة حفظوها عن ابن شقيق الخليفة الحالي لهذه الطريقة وذراعه الأيمن، موسى غاي، كان يستهلّ بها في كلّ مرّة حديثه، متوجّها إلى الأتباع الّذين كانوا يتدفّقون بغزارة على بلدة يوف الواقعة في ضواحي العاصمة السينغاليّة داكار، للنهل من مناهج هذه الطريقة الروحية.

وفي هذا السياق، يقول أبراهيما ديونغ، وهو صحفيّ سينغاليّ يعمل بالتوازي مع ذلك منشدا دينيا لدى أتباع الطريقة “اللاينية”: “لطالما حثّ مؤسّس هذه الطريقة الناس على مساعدة بعضهم البعض، وعلى التحابب والانفتاح، والاتّحاد، وتجنّب العداوة والبغضاء والتفاخر والقذف والكذب والافتراء”.

وتختلف الطريقة “اللاينية” عن غيرها من الطرق الصوفية الأخرى في السينغال، خاصّة في ما يتعلّق بعلاقة خليفتها بمُتّبعي هذا النهج الروحي. فأنصار “اللاينية” يتحدّثون عن “صحابة”، وليس عن “طلاّب” أو “تلاميذ”، كما هو الحال في الطرق الصوفية الأخرى. ويصطلح على تسمية جميع أتباع “اللاينية” بـ“لاهي”.

لا مكان في هذه الطريقة للعداوة والبغضاء والتفاخر والقذف والكذب والافتراء، ولا حتى للتدخين

وفي ما يتعلّق بهذه المسألة، عقّب موسى غاي قائلا: “إنّ التأكيد على المساواة، مُنطلقهُ الإيمان بمبدأ المساواة بين الجميع، وهو ما من شأنه أن يمنع ظهور مشاكل الطائفية، أو الاعتقاد بأفضلية اسم عائلة على حساب أخرى”.

وأضاف “أنّ أتباع النهج اللايني غالبا ما يتمّ تمييزهم بواسطة طريقة لباسهم، فهم يحرصون على ارتداء ملابس ناصعة البياض للاحتفاظ بنقاوتهم، كما أنّه يحجّر عليهم تدخين السجائر”، على حدّ تعبيره.

وفي الحادي والثلاثين من مايو 2014، غزت موجة من البياض بلدة يوف، الواقعة في الشمال الغربي لداكار، مسحةٌ من البياض كادت أن تلتحم بلون الأفق الخالي من السُّحب. في ذلك اليوم، تدفّقت في طرقاتها المُؤدّية إلى مسجد “اللاينية”، مجموعات من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. الجميع كانوا موشّحين بالبياض، والوجهة كانت واحدة؛ شاطئ بلدة يوف، هناك حيث ينتصب المسجد الخاص بهذه الطريقة الصوفية في السينغال.

بدا أنّ المنازل قد أُفرغت من سكانها في ذلك اليوم. حشود عمّها البياض، أضحت شبيهة بالأشباح، تزحف من مختلف الشوارع والأزقة باتجاه المبنى الديني. المناسبة كانت جديرة بتلك التعبئة، فهذا التاريخ يصادف الذكرى 134 لـ“نداء سيدنا ليمامو لاهي” (1843-1909)، والملقب بـ“المهدي”، وهو مُؤسس الطريقة “اللاينية”. ففي ذلك اليوم من كلّ سنة، تتدفّق الحشود “البيضاء” بالآلاف، تلبية لـ“النداء”، والّذي تمحور في تلك السنة حول مسألة الزكاة. في يوف، تلك البلدة الصغيرة الواقعة على مشارف داكار في السّينغال، والّتي يقتات سكّانها من صيد الأسماك، رأت الطريقة “اللاينية” النور.

احتفالات «النداء» الرسمية تشهد حضور عدد من الشخصيات السينغالية البارزة

ففي قرية مُتشبّثة بتقاليدها، وغارقة في الشّعوذة والسّحر، اُعتبر ليمامو ضياو، مجنونا من قبل سكان بعض القرى المُجاورة، بيد أنّه سرعان ما تمكّن – إثر ذلك- من استقطاب أتباع له، ممّن سحرهم خطابه الداعي إلى عبادة الله والمواظبة على أداء العبادات مثل الصلاة والصوم والزكاة، وذكر الله، وقراءة القرآن، والمحافظة على علاقات جيدة بين الناس.. وبمرور بعض الوقت، تحوّل ذلك الرجل إلى “سيدنا ليمامو لاهي”.

وبعد سنوات من الوعظ الديني، أعلن “سيدنا ليمامو لاهي”، أنّ ابنه عيسى (1876-1949) سيتكفّل بإنهاء عمله، ليُصبح هذا الأخير، أوّل خليفة للـ”لاينية”، بالنسبة لأتباع هذه الطريقة، خصوصا وأنّه خلف والده وهو في سن الـ 33.

ولأتباع “اللاينية” طقوس خاصّة، فهم يقُومون بالإنشاد (أهازيج دينية خاصّة بطريقتهم) قبل أداء الصلوات وبعدها. وخلال الوضوء، يغسلون أرجلهم إلى الرّكبة، وليس إلى الكاحل، كما يفعل بقيّة المسلمين.

وتجدُرُ الإشارة إلى أنّ عدد أتباع الطريقة “اللاينية”، قد بلغ اليوم، 6 % من إجماليّ سكان السينغال، أي حوالي 768 ألف نسمة، يتمركزون في قرى ليبوس القديمة (مجموعة عرقيّة تتكوّن من صيادين)؛ حوالي 65 ألفا منهم يتمركزون في بلدة يوف، في حين يتوزّع البقية على قرى كامبيرين ونغور. ويُدعى خليفتهم الحالي عبدولاس ضياو، بحسب تقديرات غير رسمية لمختصين.

كما يُذكرُ أنّ الاحتفال الرسمي لـ“النداء 134”، قد شهد حضور عدد من الشخصيات السينغالية البارزة على غرار وزير الداخلية السينغالي عبدالله ديالو داودا، وعمدة مدينة داكار خليفة سال، بالإضافة إلى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي أميناتا تال.

هذا الاهتمام الذي تلقاه الطريقة “اللاينية” على أعلى المستويات، رغم أنّها لا تضاهي القادرية أو المريدية من حيث عدد الأتباع، والذي يرتبط أساسا بدعوتها الصافية إلى التسامح والتعايش، مكّنها من المحافظة على ولاء عدد من سكان السينغال.

13