اللاي-فاي‎ تقنية الاتصال بسرعة الضوء تقلب المعادلة

التكنولوجيا الجديدة غير قابلة للاختراق بفضل تشفير المعطيات ونقلها كإشارات ضوئية.
الاثنين 2019/09/09
علاقة الإنسان بالتقنية مبنية على استمرارية التقدم التكنولوجي

يتجه التقدم التكنولوجي نحو تطوير أساليب الاتصال بشبكة الإنترنت وطرق تبادل البيانات ومشاركة المعطيات، إذ تبدو تقنية اللاي-فاي هي البديل الأكثر نجاعة للتكنولوجيات الحالية ومنها الواي-فاي الذي أثبت حدوده في مستويات. ويقدم اللاي-فاي، الذي يعتمد على البنية التحتية لشبكات الكهرباء وينتقل عبر سرعة الضوء، إمكانيات هائلة من حيث السرعة الفائقة في الاتصال بالإنترنت والتقليل من مخاطر القرصنة والتجسس، بفضل تشفير المعطيات على شكل إشارات كهربائية، إلى جانب خدمات ومزايا أخرى عديدة.

ساعد ظهور التلغراف والهاتف والكمبيوتر في انتقال البيانات عبر الأسلاك والموجات بسرعة كبيرة، وانتشارها على مستوى العالم بطريقة فورية وواسعة، ولم يعد يشمل ذلك حركية المبادلات والأموال أو المواد الأولية والسلع الاستهلاكية فحسب، بل شمل أيضا المعلومات لتصميم هذه الأشياء وتصنيعها وإنتاجها وتسويقها ذاتها في كل مكان.

وعزز ذلك عملية الاتصال ونقل البيانات وجعلها أحد التحديات الراهنة في بناء أشكال القوة في عالمنا المعاصر، بحيث أصبح لدينا مع التكنولوجيات الجديدة في مجال الاتصال والتواصل حركة تاريخية تلتقي فيها التقنية مع التطور المستمر للفيض المعلوماتي في طريقة إدارة الإنسان للزمان والمكان، وهو ما خلف الشعور بوجود قرية عالمية وبشرية متواصلة في ما بينها.

 ومن ثم إذا وُضِعت التواصلية في قلب العولمة الحالية وساعدت على الربط المباشر والدائم بين عدد أكبر من الأشخاص والأجهزة المتفرقة في شتى أنحاء العالم.

ومنذ فترة غير طويلة، تمت زيادة الضّغط على الشبكات اللاسلكيّة الحاليّة بشكل غير مسبوق، وأصبح عرض النطاق الترددي ضيقا أمام التدفق الرقمي وتطبيقات أنظمة التشغيل الخاص بالهواتف المحمولة وجميع الأجهزة النقالة الأخرى، مما لا يفي -في حجمه وسرعته الحاليين- بالحاجة المتزايدة في تخزين ونقل المعلومات والصور والفيديوهات وتشاركها.

وبالإضافة إلى ذلك تزداد كمية البيانات والآثار الرقمية ضخامة بالرغم من المحاولات العديدة لتطوير الشبكات اللاسلكية التي تتحكم في ما نراه وكيف نراه، وكامل إمكانيات الوصل الشبكي والوسائط الرقمية.

في خضم هذا الطلب المتعاظم والتسارع الهائل، انتقل عدد المواقع من حوالي 23 ألف موقع في 1995 إلى 125 مليون موقع في عام 2007 بحسب شركة “إنتكرافت” الإنكليزية، ووصل عددها سريعا إلى 938 مليون موقع في عام 2015، ثم تعدى المليار و200 ألف حاليا.

الخدمة الجديدة ستخفف العبء عن النظام الحالي المكتظ والذي لا يتجاوز 100 ميغابيت في الثانية إلى فضاء جديد تنساب فيه الاتصالات بسرعة 1 جيغابيت في الثانية

كما أن هواتف الجيل الثالث والجيل الرابع، التي كان “الآيفون” الظاهرة الأكثر إثارة فيها، أصبحت هي بدورها محطات ومواقع متنقلة، لكن عرض النطاق الترددي وسعته الحاوية لكل هذا الزخم من البيانات والفواعل والروابط، بدآ يضيقان ولا يتسعان في ظل اتصال شبكة أوشكت مساحات التخزين فيها على النفاد.

ومن ثمّ كلّما طوّرنا استعمالاتنا لتقنياتنا وجدنا أنفسنا في مفارقات بين الشعور المتنامي بضرورة تطويع حاجياتنا المتزايدة وإيجاد حلول تقنية لها من ناحية، وفي حيرة متزايدة من أن لا تستطيع التقنيات الحالية إشباع حاجياتنا من ناحية أخرى.

وهذا بالطبع ما تمليه دائما الثنائيات الملحة كضرورة ملازمة بكل آمالها ومخاوفها.

وبأكثر دقة، فإنه ستزداد حاجة المجتمع الحديث وتطلعاته، وليس أقله في مقتبل عام 2025، أن كل مواطن في العالم الصناعي سيمتلك سبعة أجهزة موصولة بالشبكة على الأقل، أي أن معظم الناس سيتوفر لديهم كمبيوتر وهاتف وكاميرا وثلاجة ذكية ومكيف ذكي ومعدات مراقبة لحراسة بيوتهم، فضلا عن إمكانية التحكم عن بعد في أبوابهم أو مرآب سيارتهم.

وبالتالي، فإن التضافر المعلن بين المعلوماتية والذكاء الاصطناعي سيجعل تلك الأجهزة والمعدات تتواصل، ويمكن توجيه أوامر لها بحسب الحاجة، كما أن استعمال الهاتف النقال في توجيه تلك الآلات عن بعد، وتنظيم حركة تنقل الملايين من السيارات ذاتية القيادة بفعل محرك غوغل سيصبحان أمرا ملحا وحيويا.

لكن للأسف إلى حد الآن، ليس هناك عدد كاف من الموجات تحت 10 جيغا هرتز (وحدة قياس التردد) تيسر رواج وتواصل ونقل المعطيات وتنفيذ رغباتنا طبقا لواقع هذا الحال القادم.

وبالرغم من السؤال الدائم في علاقة الإنسان بالتقنية: هل هي مبنية على القطيعة أم على الاستمرارية المنطقية للتقدم التكنولوجي؟ فإننا نتوقع أن شبكة الجيل الخامس في العواصم الكبرى كباريس ولندن ستصل بدورها إلى حدها الأقصى في غضون 2022، رغم كوننا إلى حد الآن نتواصل للحديث عبر الهواتف والإرساليات القصيرة، لكن الوضع سينقلب جذريا عندما ندخل في عصر إنترنت الأشياء.

ويرى البعض أن تغيرا جذريا بهذا الشكل هو من باب التضخيم، حيث إن حلول الجيل الخامس من الهواتف كافية لتطوير نطاق العرض الترددي وسرعة نقل البيانات في أفق 2020.

تخفيف العبء

يجيب الخبراء بأن هذه الخدمة يمكنها أن تعمل على تخفيف العبء عن النظام الحالي المكتظ والذي لا يتجاوز 100 ميغابيت في الثانية إلى فضاء جديد تنساب فيه الاتصالات بسرعة 1 جيغابيت في الثانية.

بيد أنه إذا كان هذا التحسن المرتقب يفوق بمعدل عشر مرات ما هو عليه الوضع حاليا، فهذا في النهاية لن يحل المشكلة إطلاقا، بل سيكلف استثمارات بمئات المليارات من الدولارات، ويفرض تنصيب الآلاف من الأبراج والمحطات والهوائيات الجديدة، ما يضاعف من تعرض صحة الإنسان لأشعة الراديو، ويساهم في معضلة الاحتباس الحراري.

هل نحن نتجه رويدا رويدا نحو شبكة متعددة الطبقات؟
هل نحن نتجه رويدا رويدا نحو شبكة متعددة الطبقات؟ 

وحاليا يطرح التساؤل: هل نحن نتجه رويدا رويدا نحو شبكة متعددة الطبقات؟ ولتقريب الصورة أكثر يمكن القول إنه في المقاعد العليا في السفينة عالم صناعي غني له محتويات غنية ومغلفة بداخل تطبيقات مدفوعة، وفي الدرجة السياحية عالم فقير له إنترنت شائك بضرائب المرور التي تتفاوت في تعرفتها، وفي المستودعات الواسعة من الأرض محتويات مجانية وفقيرة وفي حدودها الدنيا.

لذلك، يبقى التحدي الهائل في رفع السعة والسرعة لتحقيق إنترنت الشعوب، فارضا نفسه في كل أمد وحين. فعرض النطاق الترددي بمثابة أنبوب، وكل 1 بايت من البيانات التي تمر داخله مثل حبة رمل، وهذا الأمر يطرح السؤال: ما العمل إذا ضاقت سعة الأنبوب، ولم يعد بوسعه أن يسمح بأن تمر عبره أحجام وكميات كبيرة من الرمال؟ فهذا يعني أن التدفق سيستغرق وقتا طويلا من خلال ذلك الأنبوب أو ينفجر أصلا من كثرة الضغط عليه. لكن إذا كان الأنبوب أوسع من أجل نفس الكمية من الرمال، سيتدفق الرمل عبر الأنبوب بسرعة أكبر.

قطعا، إن عرض النطاق الترددي يشبه في وظيفته طريقا ينظم حركة مرور سيارات أو نقل بيانات، لكن إذا ضاقت جوانبه وكثرت حركة السيارات فيه ازدحمت عملية المرور، وتحولت حركة المرور إلى زحمة وبالتالي إلى فوضى عارمة، كما يلاحظ اليوم من تأخر الصوت عن الصورة أحيانا في الشبكة. وهو ما له مضاعفات شتى.

غير أنه ثمّة حقيقة ساطعة تقرها قوانين الفيزياء بأنه ليس هناك شيء أسرع من الضوء، والضوء مكون من طيف واسع من الموجات بما فيها الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية التي لا نراها بالعين المجردة.

فهل نظل حبيسي تقنية الواي-فاي أم نتجه إلى تقنية جديدة، ما دام أن الاتصال بفضل موجات الراديو لا يمكن أن يتعدّى عدة آلاف بالمقارنة مع قدرة طيف الضوء الذي يوفر مليارا من الموجات، بمعنى أنه ليس هناك حدود للاتصال عبر الضوء، ولا يمكن إشباع سعته بحمل زائد.

تقدم قوانين الفيزياء الحالية حقيقة دامغة، ليس بمستطاعنا أن نجد وسيلة أسرع من الضوء بعد اختراع المصابيح الفلورية المدمجة وتعميمها محل المصابيح التوهجية.

ويحتوي المصباح الفلوري المدمج على محول إلكتروني في قاعدة المصباح، فهي من ناحية تستهلك خمس إلى ثلث الطاقة الكهربائية التي تستخدمها المصابيح التوهجية، وتدوم أكثر منها بحوالي 8 إلى خمس مرات.

لكن باختراع الصمامات الثنائيّة الباعثة للضوء، تم التفوق على جميع الوسائل المعتادة للإضاءة وترشيد استهلاك الطاقة، وهو ما يعني إمكانية حدوث ثورة جديدة أيضا في مجال تغيير معادلة الاتصال البشري وتحسينه وتطويره باستغلال طيف الضوء المرئي في نقل المعطيات، وبالتالي تحويله إلى وسيلة اتصال جديدة، أي أن الاتصال بالإنترنت عبر هذه المصابيح سيكون بديلا عن نظام الاتصال اللاسلكي الواي-فاي أو مكملا له.

اللاي-فاي لا يسمح بتداخل الموجات في ما بينها ما يضمن عدم التشويش على الأجهزة الأخرى ولا يتطلب استثمارات استثنائية لأنه يستخدم البنية التحتية لشبكات الكهرباء

تم اختراع ميزة الصمامات الثنائية المضيئة في مصباح “أل.إي.دي” في عام 1960 وتم تطويرها بالتدريج لتكون مقتصدة في الطاقة، إذ تحوّل 87 بالمئة منها إلى إضاءة، بينما لا تضيع منها إلا نسبة ضئيلة في الاحتراق تقدر بحوالي 13 بالمئة.

لكن من المتوقع وفق الأبحاث الجارية بأن رقاقات مصابيح “أل.إي.دي” المتطورة ستحوّل 99 بالمئة من الطاقة إلى إضاءة، ما يمكن أن يحدث معه ثورة تقنية كبرى للإنسانية التي تستثمر 19 بالمئة من مجموع استهلاكها في الطاقة لإنتاج إضاءة داخل البيوت وفي الشوارع والملاعب والقاعات.

ويعني ذلك أن هذا الضوء بإمكانه تحويل البيانات بسرعة فائقة بفضل هذه المصابيح كما تدل على هذا الأمر الأبحاث التي قام بها الباحث الفرنسي سوات توبسو من جامعة فرساي وهارالد هاس من جامعة إيدمبورغ، والياباني شوجي ناكامورا الحائز على نوبل للفيزياء في العام 2014.

تقنيا، إن تشغيل وإيقاف ضوء (الآلاف من المرات في الثانية) عن طريق مصابيح “أل.إي.دي” المتطورة، كفيل بصنع موجة يمكن لها تشفير ونقل معلومة، بمعنى أن الصمامات الثنائية المضيئة في مصباح “أل.إي.دي” إذا كانت مشتعلة تنقل 1 بايت، بينما إذا كانت مطفأة فهي 0 بايت.

من الواي-فاي إلى اللاي-فاي

إذا كان الواي-فاي يستعمل موجات الراديو للطيف الكهرومغناطيسي، فإن اللاي-فاي في المقابل هو تقنية الطيف الضوئي بامتياز، إذ يكفي لمصباح “أل.إي.دي” أن يتوفر على رقاقة مكيفة وتفعيل الربط مع الشبكة وتجهيز الهواتف وأجهزة الكمبيوتر بجهاز كاشف ضوئي يستقبل ويفك شفرة الإشارة الضوئية، فهو سيغير لا محالة طريقة اتصالنا بالشبكة.

أما على مستوى عرض النطاق الترددي، فالنطاق المرئي أوسع 10 آلاف مرة عن نطاق العرض الترددي للواي-فاي، ما يسهل تغطية كافية وسريعة بالرغم من ضخامة عدد المستعملين.

وحقق استعمال الصمامات الثنائية الباعثة للضوء اقتصادا كبيرا في مجال ترشيد استهلاك الطاقة وتحسين الإضاءة. وتختلف هذه التقنية الجديدة عن تقنية الاتصال الشائعة القائمة على استخدام موجات الراديو لتبادل المعلومات المصحوبة دائما بإشعاعات ضارة أحيانا.

أما تقنية اللاي-فاي، فهي تستخدم الضوء المرئي وتعتمد أشباه الموصلات الباعثة للضوء حينما يمرُّ خلالها تيار كهربائيّ. ويعني ذلك أن شبكة الألياف البصرية في اندماجها مع تقنية اللاي-فاي ستقلب رأسا على عقب معادلة الاتصال. ولا تحمل هذه التقنية أشعة راديو كهرومغناطيسية ولا تسمح بتداخل الموجات في ما بينها، مما يضمن عدم التشويش على الأجهزة الدقيقة الأخرى، أضف إلى ذلك أنها لا تتطلب استثمارات استثنائية، فهي تستخدم البنية التحتية الحالية لشبكات الكهرباء، وتضمن في النهاية صبيبا عاليا من التدفق الرقمي، أضف إلى ذلك بأنها غير قابلة للاختراق، فهي محصورة في نطاق مساحة المصباح، وهذا ما يجعل عملية الاختراق والتجسس مستحيلة.

ومن هنا يبدأ الفرق بين تقنية الواي-فاي وتقنية اللاي-فاي، فالأولى تربط الأجهزة المعلوماتية داخل شبكة عبر موجات الراديو، وهي لا تعمل تحت الأرض وفي المناجم أو الأنفاق بالإضافة إلى البيئات المعدنية السميكة للغاية.

وفي حين تؤدي التقنية الثانية نفس مهمة الاتصال، فهي تقوم بذلك عن طريق الضوء المرئي من خلال تشفير المعطيات على شكل إشارات كهربائية ونقلها كإشارات ضوئية بحسب تقلبات كثافتها من المصادر الضوئية.

وتلتقط الأجهزة هذه التقلبات ويتم تحويلها إلى إشارات ضوئية، ثم تقوم بفك شفرتها لاستعادة البيانات شريطة أن تكون هذه الأجهزة المستقبلة مزودة بجهاز استقبال ضوئي.

غير أن ميزتها تكمن في سرعتها، فهي تقدم 252 جيغابيت في الثانية، وهو ما يفوق 2500 مرة الحد الأقصى الحالي، وهو أكثر بـ250 مرة أكثر من تقنية الجيل الخامس القادمة.

وبالتالي، هل يتوقف الواي-فاي كما توقفت صناعة عربات الخيل عندما صار الجميع يتنقل بالسيارة؟ لا نظن ذلك، لكن من المتوقع أن يبدأ استعمال هذه التقنية بالتدريج في المنشآت الصحية والحساسة وفي المتاحف والموانئ وشبكات المترو والطائرات أي أن هذه التقنية ستكون قيمة مضافة مُكملة لتقنية الواي-فاي، وليس بديلا مطلقا عنها، بل يمكن اعتبار اللاي-فاي النسخة الضوئية منه.

12