اللباقة تمنح الأطفال قوة خارقة تضمن لهم النجاح في الحياة

خبراء: الأخلاق مهمة في تكوين الأطفال ولا يجب تعليمها كطريقة لإجبارهم على اتباع القواعد.
الجمعة 2019/07/05
تلقين اللباقة عبر اللعب

ينتقد الكبار اليوم الأجيال الناشئة كثيرا على المستوى الأخلاقي ويعتبرون أنهم لا يعرفون عبارات اللباقة ولا يولون أهمية لتقدير الأكبر منهم سنا. المسائل التربوية من أهم الإشكاليات بين الأجيال ولكن ذلك لا يعني أن هذه الانتقادات تفتقد إلى الوجاهة فنمط المعيشة العصري والسريع جعل الكثير من الآباء يغفلون عن تربية أبنائهم على الكياسة واللباقة في كلامهم وسلوكياتهم.

واشنطن - يؤكد الخبراء والمختصون في علم النفس أن الأخلاق تساعد على غرس قيم التسامح والتعاطف كما تعلّم الأفراد كيفية التزام حدودهم، ويرون أن تعلم اللباقة المبكر يمنح الأطفال قوة عظمى وخارقة.

ويطغى على العصر الراهن طابع غير رسمي، فأفراد العائلات يتناولون طعامهم أثناء تجولهم في المطبخ، أو يحضر كل واحد منهم طبقه الخاص ويأكل وحده.

وينادى الأطفال المعلمون وكبار العائلة بأسمائهم الأولى، وغالبا ما يكون استخدام عبارتي “رجاء” و “شكرا” اختياريا. ولا يتعلم الطفل في سنواته الأولى ومع والديه قول عبارات تدل على الكياسة واللباقة لغياب حرص الآباء على ذلك بحسب العديد من الدراسات.

ويرى خبراء علم النفس والاجتماع أنه لسنوات ليست بالبعيدة كان الآباء يحرصون على جمع أبنائهم على طاولة الطعام ولا يسمح لأحدهم بمغادرتها دون استئذان آبائهم، ويلح الوالدان على تعليم صغارهما كلمات مثل “من فضلك” و”رجاء” ويلقنونهم كيف ينادون الكبار بخالتي أو عمتي أو سيدتي، ولكن يعتبر الكثيرون الآن أن هذه السلوكيات باتت قديمة وغير ذات جدوى، وهذه علامات على تغييرات شهدتها الأساليب التربوية عند غالبية الأسر.

وتقول المختصة في علم النفس في مدينة نيويورك، ميليسا روبنسون براون، إن الأخلاق مهمة في تكوين الطفل، ولا يجب تعليمها للصغار كطريقة لإجبارهم على اتباع القواعد فحسب. وأضافت في حديث لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن اللباقة تظهر احترامك لشخص ما، وأن فيها إقرارا واعترافا بأن لديه مشاعر وأنه يمكن أن يتأثر بسلوكك، مشددة على ضرورة الإشارة إلى ذلك عند تعليم أسس الأخلاق، إذ أن “الأطفال الصغار يفهمون أكثر مما نعتقد”.

وتبين العديد من البحوث أهمية تعلم اللباقة في سن مبكرة لتحقيق فوائد تمتد على حياة الشخص كاملة، إذ خلصت دراسة استمرت 20 سنة ونشرت في العام 2015 في مجلة منظمة الصحة العامة الأميركية إلى وجود علاقة متينة بين مهارات الأطفال الاجتماعية في رياض الأطفال ونجاحاتهم في سن الرشد.

وتوصلت دراسة أجرتها كلية جونز هوبكنز للتمريض عام 2016 على أكثر من 9 آلاف طفل في الحاضنات إلى نتائج مماثلة. ولا يقتصر الأمر على الحصول على وظيفة جيدة في المستقبل.

وتعتبر طبيبة الأطفال والأستاذة المساعدة في كلية إيكان للطب في مدينة نيويورك، جينيفر تراختنبرغ، أن الآباء الذين يمدحون لباقة أطفالهم والذين يتحدثون معهم بانتظام حول شعور الآخرين يغرسون فيهم أسس التعاطف التي ستزدهر لاحقا.

وأكدت أن هذه المهارات حياتية وتساعد الأطفال في مستقبلهم الاجتماعي والعاطفي.

كما بينت دراسات قدرة الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 14 شهرا على إظهار الاهتمام بالآخرين، وأكدت عالمة النفس الأميركية بجامعة ميشيغان، سوزان جيلمان، أن البشر خُلقوا مع القدرة على الشعور بالآخر. ووضعت مثالا بسيطا يكمن في غريزة الأطفال الذين ينتظرون حتى يتوقف الشخص الآخر عن الكلام ثم يتحدثون ليجيبوه. “ينبغي أن يكون جميع الأطفال (حتى عمر 6 سنوات) قادرين على قول ‘من فضلك’، و’شكرا لك’، و’مرحبا بك’…”، وفق الخبيرة في آداب السلوك في لوس أنجلس، إلين سوان، والتي تشرف على تدريس اللباقة للأطفال، موضحة أنه منذ مراحل الطفولة المبكرة، يمكن أن يتقن الأطفال المصافحة، والتكلم بهدوء دون صراخ، وانتظار نهاية مناقشات الكبار قبل أن يتحدثوا.

منذ مراحل الطفولة المبكرة، يمكن أن يتقن الأطفال التكلم بهدوء، وانتظار نهاية مناقشات الكبار قبل أن يتحدثوا
مهارات حياتية تساعد الأطفال في مستقبلهم الاجتماعي والعاطفي

وتقول تراختنبرغ، التي يعاني ابنها من التوحد، “بالنسبة إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، يعتمد العمر الذي يجب فيه أن يتعلموا القيم الأساسية على قدراتهم، وخاصة تلك المتعلقة بالتواصل اللفظي والتعبير، وعلى قدرتهم على استيعاب المنطق وراء استخدام هذه الكلمات”.

ونوه دانيال بوست سينينغ، من معهد إميلي بوست للإتيكيت، إلى أنه عندما يتعامل الأطفال مع البالغين يجب أن يحاولوا النظر في أعينهم على الأقل على الرغم من أن الأمر يمكن أن يكون صعبا بالنسبة لبعض الأطفال. وأضاف “يمكنك تعليم الأطفال أن ينظروا إلى أنف شخص ما”.

وشددت إلين سوان على ضرورة تعليم الأطفال أن ينظروا في عيني الشخص الذي يتحدث إليهم، وقالت إن الأطفال يستطيعون أن ينظروا بعيدا عند انتهاء المحادثة. وقال سينينغ إن القدرة على الاعتراف بالخطأ والتعبير عن الأسف لفظيا مهمة أيضا، موضحا أن “الجميع يفكر في اللباقة باعتبارها سلوكا مثاليا. لكن، تبقى الطريقة التي نتصرف بها عندما نخطئ أكبر اختبار لمهاراتنا الاجتماعية”.

في عصرنا الحديث ربما لم يعد تعامل الأفراد فيما بينهم رسميا كما كان خلال الأجيال الماضية. ولكن اللباقة تحسنت وأصبحت أبسط من بعض النواحي، إذ لم تعد تركز على الشوكة التي يجب استخدامها عند الأكل وأصبحت أكثر اهتماما بالتسامح واحترام اختلافات الآخرين. وأصبح اللطف أحد القيم الأساسية في القرن الحادي والعشرين.

وأكدت المختصة النفسية سوان على وجوب تعليم الأطفال دون سن السادسة الأخذ بعين الاعتبار مشاعر الآخرين قبل أن يقولوا أو يفعلوا شيئا ما.

 كما أصبح هناك تركيز على وضع حد للمطالب، إذ لم يعد الآباء يتوقعون من الأطفال احتضان شخص ما لمجرد أنه طلب ذلك. وترى الدكتورة براون إيجابية في هذا التطور، قائلة إن الأطفال كانوا يعتقدون أن عليهم تحمل الشعور بعدم الارتياح إذا كان البالغون يطالبونهم بشيء.وأردفت تراختنبرغ قائلة “يمكن أن تكون هناك مجموعة متنوعة من الأسباب التي تجعل طفلك لا يريد تقبيل العم جيمي. إن بعض الأطفال خجولون. وإذا أجبرتهم عائلاتهم على احتضان أو تقبيل شخص ما، فإنهم سيتهربون أكثر لأنهم ليسوا مستعدين لتلك الخطوة”.

ويتفق الخبراء على أن تعليم السلوك الحسن لا يكفي، بل يجب على الآباء أن يتحولوا إلى مثال حي ليتمكنوا من تعليم صغارهم.

وقال سينينغ “كن الشخص الذي تريد أن يكونه أطفالك”. إذا فعلت ذلك، ستكون المكافأة هائلة. كما نصحت سوان “أخبر الأطفال بأن رد الآخرين عليهم سيكون إيجابيا إذا كانوا مهذبين، مما سيفتح أمامهم الأبواب ويمنحهم المزيد مما يريدون. يمكن أن تصبح اللباقة قوة خارقة بالنسبة إليهم”.

21