اللبنانية ميريللا سلامة تواصل انتصارها للطبيعة رسما وتجهيزا

"أرض، مواد ملوّنة وفن".. دعوة لإبطاء الزمن عبر الفن.
الخميس 2021/09/09
صفحات دفاتر صغيرة تدمج الشعر بالشخوص المرسومة

قدّمت الفنانة اللبنانية ميريللا سلامة ورشة عمل فنية في “دار النمر للثقافة والفنون” في بيروت، شاركت فيها الفنانة متعددة الوسائط الآخرين رؤيتها الحميمة والمُثمّنة لعناصر الطبيعة. وجاءت الورشة تحت عنوان “أرض، مواد ملوّنة وفن”.

خلال مشغل فني أقيم في "دار النمر للثقافة والفنون” البيروتية، فتحت الفنانة اللبنانية ميريللا سلامة الفرصة للمهتمين بالرسم كي يختبروا إمكانيات الإبداع الفني لديهم، كلّ على طريقته، وذلك من خلال استخدام مواد طبيعية كالحنّة والخشب وصمغ الأشجار والملونات العضوية المستقاة من الصخور إلى جانب استخدامهم لأوراق مهملة عبر إعادة تدويرها وإدخالها إلى عملهم الفني مع باقي المواد.

أول ما يخطر على بال المُطّلع على برنامج هذه الورشة سيعتقد أنه مُخصّص لصغار السن، وأن غايته الترفيه خاصة أنه أقيم في عزّ موسم الصيف.

غير أنه ليس كذلك البتّة. فمن ناحية، عبّرت سلامة عمّا تُشكّله هذه الورشة الفنية بالنسبة إليها وما ترجو منها أن يصل إلى المشاركين فيها، وقد أعطتها عنوانا مقتضبا ومكثفا يضم الأقانيم الثلاثة التي بُنيت عليها فكرة الورشة الفنية، وهو “أرض، مواد ملوّنة وفن”.

سكون لطيف

تبلور الغصن وتشكّله يحيلان إلى عبور بطيء للزمن
تبلور الغصن وتشكّله يحيلان إلى عبور بطيء للزمن

عنوان يعقد صلة ما بين الأرض التي تعطي الملونات الطبيعية والزخم الروحي، والفن الذي سيرشح عن هذه الصلة. إضافة إلى ذلك أعلن المنشور الخاص بالورشة أن أحد أهم أهدافه، هو “إعادة الصحة إلى طبيعة العلاقة ما بين خاصية البطء والإنسان المعاصر”.

عند تقديمها لهذا التصوّر والتعريف بمضمون الورشة أطفأت الفنانة قيمة المقولة الشهيرة “الوقت سيف، إن لم تقطعه قطعك”. لم يكن تهميش هذه المقولة أمرا غريبا عن فنانة عبّرت في أكثر من مناسبة أنها لا تكترث إلى حصيلة عملها الفنيّ بقدر ما تكترث إلى الطريق الذي أخذته للوصول إليه.

فالرحلة هي المغامرة وهي البحث وهي الغاية، وقد يتمّ الوصول إلى مكان ما في نهاية هذه الرحلة أو لا يتمّ البتّة. ربما لأجل ذلك تبدو أعمالها تعمّ بسكون لطيف مُتصالح مع ذاته ومع فكرة انسياب الزمن دون سموم التشنّج المعاصر التي تُفقد صلة الإنسان مع بيئته الطبيعية وتاليا مع ذاته.

تبلور الغصن وتشكّله يحيلان إلى عبور بطيء للزمن

ولعل فاعلية هذه الورشة تقوم بشكل قويّ على ارتباط مضمونها بأفكار الفنانة وأسلوبها الفني بشكل عام من خلال الأعمال الفنية الكثيرة التي قدّمتها والتي تنوّعت ما بين الرسم على اللوحات، والنحت، والتجهيز الفني الجريء والفن الإيمائي التعبيري والشعر.

وغالبا ما كانت سلامة تُدمج الشعر الذي تكتبه مع شخوصها المرسومة التي بدورها دخلت صفحات دفاتر صغيرة تشبه إلى حد كبير دفاتر المذكرات.

بالنسبة إلى تلك الأعمال وغيرها يلعب شريط أو خيط، أو غصن، أو خط دقيق دورا مهما في معظم أعمالها، رسما أو تجهيزا، ليذكّر بشريان الحياة بأشكاله المتعدّدة (وفقا لأسلوب الفنان) الذي سكن لوحات فنانين آخرين ليعبّر أيضا عن الصلة العميقة التي لا يمكن قطعها إلاّ وحدث نزيف هائل ما بين الإنسان والطبيعة.

معظم أعمالها التشكيلية التي لا تهجس بالتقنية المُستخدمة والتي يحضر فيها غصن دقيق لشجرة ما مجهولة الهوية، أو عود لزهرة من الأزهار البرية التي لم تتفتّح كليا بعد، يشعر الناظر بحسية المشهد وبعبور الزمن البطيء الذي يواكب تبلور ذاك الغصن أو تبرعم تلك الوردة.

وغالبا ما تخرج هذه العروق الطبيعية، لا بل الأنسجة العضوية من أجساد نساء لا يشكلّن إلاّ وحدة معها.

كل “كائنات” الفنانة هم نساء. ممّا دفع الكثير إلى إدراجها ضمن الفن النسويّ. وذلك لا يناسب تماما ما تنشغل به لوحاتها، إذ إن شخوصها، غير محدودة أعمارها، وبالرغم من أنوثتهنّ، فهنّ يمثلن لا المرأة ولا الرجل، بل الإنسان بشكل عام. إنسان بصيغته المثلى، أي منسجم مع الطبيعة، خادم وسيّد لها على السواء.

ولعل من أهم سمات فنها تتعلّق بما يراه الكثيرون حزنا في أعمالها، ومن ضمنها اللوحات التي لا تتحدّث عن أي موضوع تراجيدي. فأغلب الظن أن مرّد رؤية “الحزن” في لوحات لا علاقة لها بالحزن هو تلك النظرة السائدة، لاسيما في مجتمعاتنا المعاصرة التي تعتبر واقعية النظرة إلى الأمور الدرامية، تشاؤما، تماما كما ترى “الوحدة”، على أنها عزلة، وترى الصمت على أنه يأس.

نعم، أعمال ميريللا سلامة الفنية حتى التجهيزية منها تكشف النقاب عن عالمها. عالم خاص جدا يتدحرج ببطء بموازاة عالم صاخب متعدّد البوصلات، مكسوّ بأوراق أشجار خريفية شفافة (والفنانة تستخدم تدرجات ألوان الخريف كثيرا في لوحاتها بداية بالأحمر وصولا إلى اللون البنيّ الغامق) حيث يُسمع خرير الماء البطيء الذي “يحدث” في الجداول الضيقة، خاصة تلك التي تختبئ ما بين الصخور.

عالم بديل

أعمال ميريللا سلامة تشي بسكون لطيف مُتصالح مع فكرة انسياب الزمن دون سموم التشنّج المعاصر

الفن الذي تقدّمه سلامة بشكل عام يطرح ذاته صيغة ناصعة لحياة بديلة عن تلك التي نحياها، وقد حاولت عبر ورشة العمل “أرض، مواد ملوّنة وفن” أن تقدّم تقنيات للمهتمين وعناصر من الطبيعة كي يوغلوا في غاباتهم الداخلية الخاصة حتى يخفت القلق الإنساني المعاصر، هذا القلق الذي بدأ استمراره منذ عشرات السنين يُنتج وحوشا ترى أمامها الآخر إما غنيمة أو ضحية.

وهي واحدة من فنانين كثر لم يتلقوا تعليما أكاديميا، ولكن تفوّقوا على غيرهم من أصحاب الاختصاص، لأن الفن قبل أي شيء آخر هو موهبة، فاضطلاع، فخبرة.وميريللا سلامة هي فنانة عصامية لم تتلق تعليما جامعيا في الفن، ولكنها اختارت اختصاصا آخر وهو العلاقات العامة واستمرت به حتى حصولها على الماجستير في سويسرا.

عثرت سلامة على ذاتها مشدودة إلى عالم التعبير الفني. عالم اندمج مع الطبيعة التي تُحب فتبلور الاثنان سويا في نصها (أي الطبيعة والتعبير) حتى صارا شغلها الشاغل.

وما لبثت الفنانة أن حصدت العديد من الجوائز المثمنة لنتاجها الفني، منها “جائزة الامتياز” من جامعة العلوم والفنون التطبيقية في سويسرا، وجائزة “زمن الخشب” من مؤسسة “مقام” اللبنانية التي تُعنى بالفن المعاصر لاسيما فن النحت، وجائزة من متحف الفن المعاصر في لبنان.

16