اللبنانية هدى بعلبكي تتشبّث بأرض "الآن" بطلائع من اللون الكثيف

احتفاء فردوسي بالطبيعة والوجود الإنساني المرتبك.
السبت 2021/04/03
قصائد لونية تنبض بالتوق إلى التحرر

إن كان من المُمكن أن نختصر فنانا تشكيليا مّا بصفة أو تعبير واحد فيمكننا أن نختصر الفنانة التشكيلية اللبنانية هدى بعلبكي. فهي من مواليد البقاع اللبناني الأخضر، وبكلمة واحدة هي: الغزيرة. غزيرة لناحية فيض اللوحات التي لم تزل أجواؤها تنهمر علينا كالمطر الربيعي، أو لنقل كالمطر "النيساني" الذي قيل عنه إنه "يُحيي الإنسان"، وغزيرة لناحية المعاني والإحالات التي تأخذنا إليها لوحاتها وبرفق لافت.

عندما ينشر الناس على صفحاتهم الفيسبوكية وبشكل شبه دائم صورا فوتوغرافية، كثيرا ما تكون مُعدّلة ديجيتاليا، لتبدو ألوانها أكثر توهجا، وتأتي مكتوب عليها تعابير مثل “صباح الخير” أو “مساء النور” وما إلى ذلك من ألفاظ مرحّبة، غالبا ما نشعر بسخافتها لأنها صور مُكرّرة وعامة، ومنها الملايين من النسخ الرديئة. لكن هذا لا ينطبق على ما تثابر على وضعه على صفحتها الفيسبوكية الفنانة اللبنانية هدى بعلبكي، بل يكتسب معان مُختلفة.

صباحات خاصة

ليست بعلبكي كتابا مفتوحا تباعا لعدد كبير من الفنانين الذين يتّخذون من رسم الطبيعة سبيلهم في التعبير الفني. ولكن صفحتها الفيسبوكية تستطيع أن تُعلم مُتابعيها الكثير عن الفنانة وعن مقام الطبيعة عندها بأشكالها وفصولها.

أعمال هدى بعلبكي الفنية لا تهجس بالطبيعة بقدر ما تعبّر عن إمكانية حلول «مفهوم» الطبيعة في كل ما نعيش ونختبر

تستطيع ذلك صور الطبيعة الفوتوغرافية “العامة والمُكرّرة” التي ذكرناها آنفا، و”التصبيحات” شبه اليومية التي ترفقها بها كما يفعل العديد من الناس. ولكن يأتي الاختلاف بنظرتنا بشأن هذه الصور الفوتوغرافية العادية أن الفنانة تنشر إضافة إلى هذه الصور، صورا عن أعمالها الفنية التي لا تهجس بالطبيعة بقدر ما تعبّر عن حلول، أو إمكانية حلول “مفهوم” الطبيعة في كل ما نعيش ونختبر ونترك خلفنا ممنونين أو آسفين.

وتضيف بعلبكي إلى هذه الصور العامة، صورها الفوتوغرافية الخاصة التي توثّق زياراتها المُتكرّرة إلى الطبيعة، مع صور لأعمال فنانين آخرين عرب وأجانب مأخوذين بالطبيعة تنشرها من وقت إلى آخر على صفحتها وفيديوهات قصيرة عن مرسمها القابع في قلب الطبيعة، وأخرى عن مشاهد رأت غموضها فتركت في نفسها أثرا كبيرا.

تفضي كل تلك البصريات على صفحتها، كنهر دافق إلى بحر واحد، إلى عالمها المُتكامل الذي يرفده ويحوّره ويغذّيه كل ما ذكرنا سابقا. عالم يذكرنا بنبات إكليل الجبل المتوحش ذي العطر النافذ وأزهاره البنفسجية التي لا علاقة للونها بالنوستالجيا وهروب الأشياء.

بوابة غليظة

Thumbnail

التشبّث بأرض “الآن” هو حالة مُستمرة في لوحات الفنانة اللبنانية، لأنها لا ترثي الماضي بل تراه جزءا لا يتجزأ من حاضر الطبيعة المُحمّلة بالعديد من الأبعاد الجمالية والحسية.

معظم اللوحات التي أنتجتها بعلبكي ليست بمشاهد طبيعية بالمعنى السطحي للتعبير. صحيح أنك ترى أشجارا وأزهارا وعشبا وتلالا ولكن حين تطيل النظر فيها تجعلك تتبنى طريقة غير تقليدية في النظر إلى الطبيعة، ولاسيما في أعمالها الجديدة التي نشرتها على صفحتها الفيسبوكية، ولم يتسن لها بعد أن تعرضها في معرض مُتكامل بسبب ظروف الإقفال والحجر، ومنها معرض يُفترض أن تقيمه في الولايات المتحدة، وينطبق الأمر أيضا على أغلبية أعمالها السابقة التي قدّمتها بداية من سنة 2016.

أما هذا العالم الذي أنشأته منذ هذا التاريخ، فقد سبقته مرحلة فنية آثرت فيها الفنانة النزعة التجريدية في تصوير الطبيعة.

ولعل أهمية هذه المرحلة بالنسبة إلى تطوّر فنها، هو أنها كانت بمثابة بوابة “غليظة” شيّدتها الفنانة بطبقات لونية متعدّدة من مادة الأكريليك مع استخدام مواد أخرى كأسلاك معدنية بثّت عروقها في اللوحات.

ويمكن القول إن هذه البوابة فُتحت عميقا وواسعا على حد السواء حتى اختفت بشكل شبه كلي، لتنبري منذ العام 2016 وإلى اليوم تتوضّح فيها الرؤى وتتأطّر الأشكال دون أن تخسر شيئا من غموضها الذي هو تحديدا “روح الطبيعة” وما كرّسته واقعا عميقا في قلب الفنانة، لا يبدو أنها، ولحسن الحظ، لا قادرة ولا راغبة في التخلي عنه.

ولكن هذا لا يعني بأن الفنانة تخلّت عن تلك “البوابة الغليظة” التي تشي أحيانا بأبعاد لوحاتها الجديدة، ولكنها ابتكرت آلية فنية جعلتها تشفّ دون أن تخرج عن كثافتها الغليظة.

ألوان كثيفة تشي بإرباكات عميقة
ألوان كثيفة تشي بإرباكات عميقة

ودخل العنصر البشري بقوة إلى لوحاتها ليكون وكأنه مولود من مادة الطبيعة عينها. نساء بعضهنّ يشبهنها ورجال حضروا كثيرا بشخصية مُهرج لا هو راغب في التهريج ولا قادر عليه أيضا. ففي ملامحه المأساوية الكثير من القهر البشري والكثير من “دعني وشأني”، إذا صحّ التعبير، وفي هيئة ملونة ورقيقة تدفع الناظر إليه إلى أن يبتسم.

ودخل أيضا إلى عالمها الهمّ البيئي والمجتمعي، حيث رسمت الفنانة في لوحاتها الجديدة خيم السوريين الذين غادروا قسرا وقهرا بلادهم، وتظهر في خلفية الخيم المنصوبة مشاهد لقرى لبنانية بعيدة لا تقلّ تلوينا عن الخيم، وهي كأنها صدى بصريّا للبيوت والأشجار التي اضطر شعب شبه كامل على تركه ورائه.

ولدت هدى بعلبكي في بيروت سنة 1968، تخصّصت في الرسم من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، عرضت منفردة في عام 2005 في بيروت وفي الإمارات في العام 2008 وفي الصين في العام 2010.

ولها العديد من المشاركات في مجموعة من المعارض الجماعية منها: معرض الحركة الثقافية أنطلياس 1994، وفي المركز الثقافي لجنوب لبنان 1998، وفي إهدن كونتري كلوب 2000 و2001، وفي النادي الثقافي العربي في بيروت 2001، وفي غاليري “ألوان” منذ العام 2002.

وشاركت في بينالي إيران في طهران سنة 2002، وفي قصر اليونسكو في بيروت 2002، وفي معرض بلدية بيروت 2002، ومعرض جامعة سيدة اللويزة 2004.

وهي حائزة على جائزة متخرجي مؤسسة الحريري 2002 و2003، ولها خمسة معارض فردية حتى الآن، آخرها كان في صالة “ألوان” لصاحبتها أوديل مظلوم العريقة في عالم الفن والتي اضطرت أن تقفل نهائيا أبواب صالتها بسب حجم الدمار الذي طالها إثر انفجار بيروت في أغسطس 2020.

حضور للهمّ البيئي والمجتمعي في لوحات تسرد الراهن العربي
حضور للهمّ البيئي والمجتمعي في لوحات تسرد الراهن العربي

 

14