اللبنانيون بين التمديد والتجديد

السبت 2017/05/06

تنطلق القوى والمجموعات المعارضة لنظام سيطرة ائتلاف المافيات الغاصبة للسلطة في لبنان في حركتها الاعتراضية من زاويتين اثنتين وهما: رفض التمديد الثالث لمجلس النواب، والتأكيد على ضرورة الوصول إلى قانون انتخابي يحقق صحة التمثيل.

وإذا كانت السلطة ممثلة برئيس الجمهورية ميشال عون قد تجاوزت القانون الانتخابي النافذ الذي جاء بهذا المجلس النيابي إلى السلطة قبل 8 سنوات من خلال رفضه التوقيع على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة ضمن المهل التي يفرضها هذا القانون بذريعة أنه لا يحقق صحة التمثيل، وإذا كان مجلس النواب ذاته قد تخاذل في إصدار قانون انتخابي بديل، فإن سيف التمديد لهذا المجلس الذي يغتصب السلطة التشريعية أقله منذ أربع سنوات، لا يزال مسلطا على رقاب اللبنانيين رغم الحركة “الدستورية” التي قام بها الرئيس عون ليلة 13 من أبريل الماضي بتجميد جلسات مجلس النواب لمدة شهر، إذ أنه أجّل الأزمة ولكنه لم يلغها. صحيح أن الحجة كانت إفساح المجال للقوى السياسية لتخرج بقانون انتخابي جديد، ولكن ما جرى خلال الأسابيع اللاحقة لا يبشر بذلك.

وكلما تقدم الوقت، فإن الخيارات الانتخابية لدى القوى المتجاذبة تضيق لتضع الجميع أمام العودة إلى قانون الستـين مجـددا من خلال تشريـع يعيـد إحيـاء المهل القانونية بما يعني التمديد “التقني” الذي يتيح العودة لهذا القانون والمضي في الانتخابات بعـد ثلاثة أو أربعـة أشهـر. وهكذا يكون رئيس الجمهورية وفريقه السياسي اللذين أبـديا أقصى معـارضة للتمديد، أول مـن أوصل النظـام إليه بعد رفض توقيع الرئيس على دعوة الهيئات النـاخبة ومن خـلال ما سمّي بالتمديد التقني، ودون التوصل إلى قانون انتخابي جديـد “يحقـق صحة التمثيل” كما يزعمون.

وبالمناسبة، وبرسم المخدوعين بالعبارة، فإن “صحة التمثيل” هنا ليست صحة التمثيل الشعبي وإنما “صحة” التمثيل السياسي للقوى المسيطرة بما يعني الاحتكار الفعلي للتمثيل الطائفي من قبل هذه القوى، ومنع أي تمثيل وطني أو شعبي للبنانيين من البروز.

وفي احتكار التمثيل الطائفي والمذهبي برز مشروع القانون التأهيلي (جبران باسيل) على مستوى الوحدات الانتخابية الصغرى، أي القضاء، ليحقق التأهيل الطائفي الأكثر تعبيرا عن الانغلاق وليغلق باب الترشح إلى السلطة التشريعية أمام الوطنيين والمعتدلين.

لم يأت طرح هذا المشروع كي يولَدَ قانونا يسيّر به الجميع، بل جاء ليضع المزيد من العراقيل في وجه إنتاج قانون حقيقي، لأن من طرحه يعرف تماما أنه لن يمر. مثله كمثل مشروع وليد جنبلاط أو مشروع نبيه بري.

الهدف واضح استمرار اغتصاب المؤسسات من نفس القوى وتدعيم هذا الاغتصاب بشرعية “شعبية” انتخابية. وهنا يصبح التمديد أقل خطورة من التجديد عبر قانون انتخابي ما مهما كانت طبيعته وشكله، لأن التمديد يؤكد للبنانيين أن اغتصاب السلطة مستمر، بينما الذهاب إلى انتخابات معروفة النتائج سلفا يعني إضفاء شرعية قانونية ودستورية وشعبية على هذا الاغتصاب الذي باتت القوى الغاصبة بأمسّ الحاجة إليه.

ومن هنا فإن ملاحظتنا الأولى تتركز على زاوية الاعتراض الأولى المشار إليها أعلاه: أي الاعتراض على التمديد للمجلس النيابي وبالتالي الذهاب إلى الانتخابات مهما كان شكل القانون بتعلة الحفاظ على “دورية الانتخابات”، أي أنه لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة القوى المسيطرة وأهدافها الحقيقية من التسويف والتعطيل والتمديد، وأن التمديد تكرارا لبرلمانها لم يكن سوى الطريقة الأسهل لتأبيد سيطرتها، وأنه بإمكانها حين اللزوم أن تنتج قانونا يزوّر توجهات اللبنانيين ويكون كما التمديد أداة لتأبيد هذه السيطرة، فهل يعني ذلك أنكم ستعتبرون وجودهم في السلطة بناء على انتخابات معلّبة معروفة النتائج سلفا أمرا مشروعا؟

أما بالنسبة إلى إنتاج قانون انتخابي جديد “يحقق صحة التمثيل”، فقد نوّهت أعلاه بأن التجاذب بين القوى المسيطرة يتأسس على اعتبار أن احتكارها للتمثيل الطائفي حق يجب قوننته بالانتخاب، ولا علاقة لذلك بصدقية التمثيل السياسي لحقيقة التوجهات الشعبية. ومن هنا فإن أي قانون انتخابي يصدر عن هذه القوى لن يكون إلا لخدمة التجديد لسيطرتها ولتقاسم هذه السيطرة بينها بحسب موازين القوى الإقليمية لمراكز الهيمنة التي تتبع لها.

هنا يقف اللبنانيون حائرين، خصوصا إذا وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام الاستحقاق الانتخابي، وبغض النظر عن قانون الانتخابات طبيعة وشكلا، سيجدون أنفسهم مخيّرين بين لوائح مرشحي نفس القوى المسيطرة، فهل ننتخب هذه اللائحة أو تلك؟ وسواء اختار الناخب هذه اللائحة أو هذا المرشح، وسواء امتنع عن التصويت أو أدلى بورقة بيضاء فإن القوى ذاتها ستعود إلى السلطة.

كاتب لبناني

9