اللبنانيون بين حربين

رغم أن الظروف الإقليمية والدولية يمكن أن تشجع نتنياهو على أي شيء بما في ذلك شن الحروب، إلا أن حربا للتخلص من حزب الله تبقى مستبعدة قبل أن يستنفد كامل المهام المنوطة به في تأبيد التطرف والانقسام.
الثلاثاء 2019/04/23
الدفاع عن لقمة العيش

ما عسى أن يفعل اللبنانيون حين يضعهم زعماؤهم أمام خيارات أحلاها مُرّه لا يطاق؟ فمن جهة أولى يتم التضييق عليهم بموازنة تحمل بنودا تقشفية مؤلمة يتوقع أن تزيد على معاناتهم معاناة أكبر وأشد، ومن جهة ثانية يتوعدهم حزب الله بصيف ساخن يهدد بلادهم ويذهب بتضحياتهم التي تفرضها موازنة سنة 2019 التي يتم التمهيد لها بالكثير من التهويل.

ففي حين ينشغل السياسيون بالتمهيد لتوافقهم على قانون موازنة السنة الجارية ويرهقون أسماع اللبنانيين بضرورة تفادي الانهيار المالي الكبير من خلال بنود تقشفية موجعة، يتبارى هؤلاء في رفض المساس برواتب العسكريين وذوي الدخل المحدود، والذي بشر به قبل أيام وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ليعود ويلطف من تصريحاته، فيومئ إلى الرواتب المضخمة والملحقات التي يتقاضاها بعض كبار الموظفين، وحيث ينشغل اللبنانيون بكيفية التعامل مع تلك البنود التقشفية الموجعة التي وإن لم تمس رواتبهم، فإنها ستمس القوة الشرائية لتلك الرواتب ربما بمقدار أكبر مما لو خفضت تلك الرواتب بنسب معينة، حيث يتوقع زيادات ضريبية موجعة وارتفاع في الأسعار.

المؤشرات تدل على أن هناك نية واضحة لزيادة تعرفة الكهرباء وزيادة خمسة آلاف ليرة على صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 بالمئة إلى 15 بالمئة وسوى ذلك، ما يؤدي حكما إلى ارتفاع مواز في أسعار المواد الحياتية نتيجة كل ذلك وكذلك في أسعار الخدمات من النقل إلى المواصلات إلى غير ذلك، ما سيثقل الأعباء المعيشية التي هي أصلا ثقيلة.

في هذا الوقت، بالذات، تأتي تسريبات حزب الله إلى صحيفة الرأي الكويتية لتضع اللبنانيين بين نارين. صحيح أن حزب الله عاد ونفى صحة تلك التسريبات، لكن هذا النفي لن يمسح الآثار المترتبة عليها. ولكن ما هي الغاية الفعلية من تلك التسريبات في هذا الوقت بالذات؟ وهل حقا تغيرت المعطيات والظروف لنتوقع حربا واسعة وساحقة على لبنان وحزب الله بالذات؟

في وقت متأخر من العام الماضي كتبت مقالا نشر في صحيفة العرب وتناقلته عدة مواقع إلكترونية بعنوان: الحرب التي لن تقع، وأشرت فيه إلى أن الظروف التي كانت قائمة لا تنبئ بأي إمكانية لشن حرب في جنوب لبنان لا من قبل إسرائيل ولا من قبل حزب الله، رغم الكثير من القيل والقال الذي دأب الطرفان على نشره خصوصا بعد اكتشاف الأنفاق التي أنشأها حزب الله والتي تصل جنوبي لبنان بالأراضي الفلسطينية المحتلة. فهل تغيرت المعطيات؟

التسريبات التي نفاها حزب الله لاحقا، والتي نشرتها جريدة الرأي الكويتية عن لسان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في لقاء حزبي داخلي أنه قال “هناك دلائل كثيرة على أن إسرائيل تسعى لمفاجأة الجميع، مثل حرب 2006. إلا أن بنيامين نتنياهو ليس مثل إيهود أولمرت المتردِّد.

ومثلما فعلتْ إسرائيل في غزة العام 2008 فمن المحتمل أن تفعل الشيء نفسه العام 2019 بهدف إزالة التهديد القادم من حزب الله إلى الأبد. ولذلك فإن على الشعب اللبناني والبيئة الحاضنة أن تستعدّ لكل الاحتمالات”.

وفي نظرة تشاؤمية، قلما اعتادها خطاب نصرالله، إلى تلك الحرب المتوقعة قال “قد لا أبقى بينكم فترة طويلة وقد يذهب (يُقتل) معي أكثر قادة الصف الأول وبالتالي من الممكن أن تنجح إسرائيل في اغتيال القادة. إلا أن هذا لا يعني نهاية حزب الله الذي لا يَعتمد بوجوده على الأفراد بل هو جزء من المجتمع اللبناني الباقي في هذه البلاد”، قال نصرالله للمُجْتَمِعين. ولم يُخْفِ زعيم “حزب الله” أن “إجراءاتٍ قد اتخذت حتى في الحالات القصوى وقتْل القادة، فلا داعي للتساؤل”.

فما هي الأهداف المرجو تحقيقها من هذه التسريبات وإن تم نفيها، على الصعيدين الداخلي والخارجي؟

في الداخل، سيتحمل حزب الله وحلفاؤه كونهم القوة الأكبر داخل السلطة مسؤولية تفاقم الأحوال المعيشية على الناس، وحيث أن الدعم المالي الذي كان يتلقاه حزب الله من النظام الإيراني بدأ يجف، فإن عشرات ألوف اللبنانيين (الشيعة) العاملين في مؤسسات حزب الله المدنية والاجتماعية والعسكرية سيعانون من تبعات ذلك، إضافة إلى المعاناة الناشئة عن البنود التقشفية في موازنة الدولة. لذا فإن هذه التسريبات في هذا الوقت ستدفع هؤلاء (الحاضنة الشعبية لحزب الله) إلى تقديم خيار الدفاع عن الوجود على خيار الدفاع عن لقمة العيش. إنها وسيلة فضلى لشد العصب في أوقات الأزمات.

أما على الصعيد الخارجي فتتضافر عوامل اقتراب تنفيذ الحزمة التالية من العقوبات الاقتصادية الأميركية على طهران، وكذلك تضييق الخناق المالي على حزب الله، وما بدأ يتجلى على الساحة السورية من حرب غير معلنة بين الروس والإيرانيين من جهة، وتصدع في قوات نظام الأسد بين الفيلق الخامس الذي تديره روسيا والميليشيات التي يقودها الحرس الثوري من جهة أخرى، وتصاعد الأزمات المعيشية في المناطق التي يسيطر عليها النظام وخصوصا المحروقات والمواد الغذائية من جهة ثالثة.

ويضاف إلى هذا التوافق الكامل بين الروس والأميركان في المنطقة وهو ما ظهر جليا في ليبيا، وما سيظهر بجلاء أكبر في سوريا حيث سيكون الوجود الإيراني في مرمى الفريقين، ولذلك فإن كلام حسن نصرالله المسرب إلى جريدة الرأي الكويتية قد يكون تمهيدا لما يجول بخاطر نظام طهران من أعمال عسكرية قد تطاول إسرائيل أو حتى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة بشكل غير مباشر عبر حزب الله أو الحشد الشعبي العراقي أو تنظيمات فلسطينية ما يقود حكما إلى إشعال المنطقة.

في جميع الأحوال، ورغم أن الظروف الإقليمية وتقاطع المصالح الدولية يمكن أن يشجعا بنيامين نتنياهو على أي شيء بما في ذلك شن الحروب، خصوصا بعد فوز اليمين المتطرف في إسرائيل في الانتخابات الأخيرة بأكثرية مريحة، وهي حروب قد يظن أنها تمهد لما اتفق على تسميته بصفقة القرن، إلا أن حربا للتخلص من حزب الله تبقى مستبعدة قبل أن يستنفد كامل المهام المنوطة به في تأبيد التطرف والانقسام والاحتراب الأهلي المدمر أكثر من أية حروب تشنها إسرائيل فيه.

8