اللبنانيون و"فخامة الفراغ"

الأربعاء 2014/11/26

ستة أشهر مضت ولا يزال الفراغ يسكن قصر بعبدا، ولم يتغير شيء في حياة اللبنانيين رغم استمرار تدهور الأوضاع، في حضور الفراغ كما في غيابه.

والأغرب، أو ربما الأغرب بالنسبة للأحوال المعروفة في حياة الدول رغم أنها تمر بأزمات سياسية وبمنازعات كثيرة، أن القوى السياسية أجمعت على إظهار احترام هذا الفراغ كما لم تفعل من قبل إزاء أي رئيس جمهورية آخر، وبات هذا الفراغ أليفا مألوفا عندها، لا غضاضة فيه ولا منه اغتياظ.

وهكذا يتربع فخامة الفراغ في منصب الرئاسة الأولى في لبنان، مرتاحا إلى هذا التواطؤ المستدام الذي تبديه سائر القوى السياسية المتحكمة في واقع البلاد بجميع مآزقه ومزالقه، وإلى ذاك التواطؤ، أيضا، المتمثل في انعدام الاكتراث لدى غالبية راجحة مرجحة من المواطنين الذين لم يعد يهمهم مَنْ، أو ما الذي يتربع على كرسي الرئاسة في بعبدا، والتي لم يسبق لها أن قدمت يوما لهم، ومنذ عقود، أجوبة مقنعة على أي من تساؤلاتهم أو شكاويهم. وبهذا يكاد يتساوى بالنسبة إليهم، “فخامة الفراغ” مع أي من الأشخاص الذين سبق أن تولوا هذا المنصب منذ اتفاق الطائف.

أما بالنسبة إلى القوى التي تتشارك وتتقاسم وتتنازع السيطرة في البلاد، وبسبب من طبيعتها المافيوية، مترافقا مع ارتباطاتها البنيوية خارجيا، إقليميا ودوليا، فإن للأمر معان وفوائد لا يتنبّه إليها المواطن الحائر بين أزماته اليومية، ومحاولاته للتنصل والهرب من ضغوطاتها سواء بالهجرة إذا سمحت له الظروف، أو بحسب ما تمليه قواعد التنصل لدى العسكر المهزوم وخصوصا قاعدة “جندي دبّر راسك”. فسيطرة المافيات تمقت المؤسسات وتكره صورة الرئيس على جدرانها، فلا بأس أن يحتل إطارها الفراغ.

وعمليا، فإن الفراغ قد تمدد وتوسع ليحتل موقع برلمان العطالة الذي، وتجنبا للفراغ في المؤسسات (!!) قام بالتمديد لنفسه بدون أي مبرر دستوري أو قانوني، ما يجعل وجوده متساويا مع عدمه، وسيجعل من كل ما قد يقوم به أمرا غير ذي شرعية كونه صادرا عن جهة غاصبة للسلطة وبالتالي غير ذات صفة، بما في ذلك، إن حصل، انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

ولكننا نعرف أن أي انتخاب لرئيس للجمهورية لن يقوم به البرلمان إلا شكلا. فهذا الانتخاب الشكلي هو مجرد تصديق على تعيين فعلي من قبل المافيات المتحكمة بالبلد ومرجعياتها الخارجية. وهو، أي الرئيس، لن يكون ذا دور يتفوق فيه على “فخامة الفراغ” الذي تواطأت هذه المافيات على تنصيبه منذ ما قبل الستة أشهر الماضية.

وإذا تم هذا الانتخاب لسبب من الأسباب، وهذا مستبعد على الأقل فيما تبقى من هذا العام من مدة، فإن “النصوص” الدستورية تقضي تشكيل حكومة جديدة، ومهما طال الزمن، فإن تشكيل هذه الحكومة سيكون عبر نفس البرلمان الفاقد للشرعية. وهي إذن، لن تتصف بالشرعية، إذ ما يبنى على باطل فهو باطل. ولكنها يمكن أن تمارس السلطة لأنها ستكون مغطاة بالطريقة نفسها التي ستغطي اختيار الرئيس.

هل سيتغير شيء بالنسبة للمواطن العادي؟ بالتأكيد. أزماته المتفاقمة ستزداد تفاقما. وسيزداد بحثه عن حلول، دون أن يجد اكتراثا لوضعه من الجهات التي هي، وبسيطرتها، أنتجت وفاقمت أزماته، وستستمر في مضاعفة الضغوط عليه. هل سيهاجر جميع المواطنين المنسحقين بتلك الضغوط؟ بالطبع لا. ما الذي سوف يحدث بعد أن جرب الناس كل شيء، بما في ذلك حكم الفراغ لمدة ستزيد عن نصف عام بالتأكيد؟

هل سيكتشف اللبنانيون، من خلال ما يلمسون يوميا، من استفحال للنهب وللفساد الذي يضرب وبوقاحة كل مرفق، أن جميع مؤسسات السلطة في بلادهم مغتصبة تماما كما حقوقهم جميعا في بلدهم؟

هل سيدرك المواطن حجم الخداع والكذب والتضليل الذي يتعرض له ويعيش مآسيَه في كنفِه منذ عقود؟ هل سيميّز الشعب في لبنان أنه لم يعد من شرعية لأيّة سلطة أو مؤسسة من مؤسساتها، وأنّه وحدَه صاحب الشرعية الكاملة والمطلقة وأنّ بإمكانه إعلان عصيانه المدني الشامل والانقلاب على تلك المافيات المتآلفة وانتزاع السيطرة منها وبناء سلطته هو حُرّة ناجزة، يُعيد لنفسه بها حقوقَه المغتصبة كاملة ويدير بها شؤونه وتحميه من كل مُتطفل أو مُستبد داخلي أو خارجي؟

لن يكتشف اللبنانيون شرعيةً يمتلكونها وتمنحهم القوة في مواجهة أعدائهم الغاصبين إلا إذا توحدوا حول حقوقهم كمواطنين متساوين، وكأحرار متحررين من كل عصبية طائفية أو مذهبية أو مناطقية، والتي هي الأسلحة الأشد فتكا بيد المافيويين الذين يستخدمونها للتغطية على زَيْفِ تمثيلهم للقواعد الشعبية. فهل يُعقل أنْ يُمثّل الجاني مصالحَ المَجْني عليه؟


كاتب لبناني

9