اللبنانيون يخافون المطر في "كاريزما" هالة كوثراني

الأحد 2014/01/19
هالة كوثراني: تكسر في روايتها الحدود وتجعل من أبطالها يمرون خطفا

القاهرة - أطلقت الروائية، الكاتبة الصحافية اللبنانية هالة كوثراني ثورتها الناعمة في روايتها “كاريزما” التي صدرت أخيرًا عن دار الساقي، وتعتبر الرواية الثالثة الصادرة عن الدار نفسها، وتم طرحها في معرض بيروت الدولي للكتاب، ديسمبر 2013، من خلال ثلاث نساء، تقاطعت رؤاهن، أحلامهن، خيباتهن، والفكرة الرئيسة التي تجمعن حولها، هي “فكرة التغيير تحركها جرأة مجنونة”، هذا ما قالته رشا لعزة محاولة فهم تاج وتصرفاتها”. ويبقى ما لم تقله كوثراني في “كاريزما”، إلا من خلال الرمز، والإلحاح على تأكيده، هو ضرورة البداية من حيث انتهى التراث، لصنع منجز حضاري ما، قادر على صياغة معنى جديد لمفهوم طبيعة العلاقة بين طرفا الحياة الرجل والمرأة.

ربَّما الهروب من الواقع، هو ما دفع “عزة، ورشا” إلى التنقيب عن تفاصيل “تاج”، ومحاولة استلهام روحها بشكل معاصر، من خلال الشخوص الذين بدوا قلقين إلى حد بعيد في الرواية، عدا “تاج” التي بعثتها كوثراني من التاريخ، هي الوحيدة التي لم تقدر على حتى استحضار الخوف، بينما “عزة، ورشا” كانتا دائمًا قلقتين، إمِّا من انتظار الغائب، أو محاولة الثورة على الأوضاع التي تعاني منها المرأة، في مجتمع ذكوري، يتحكم بكل تفاصيل حياتها، بل ويعاني منها الوطن أيضًا “لبنان” عمومًا، وبدا ذلك في الكثير من الجمل التي أطلقتها الكاتبة عبر ثنايا الرواية، بجمل تقريرية مباشرة، مثل “طلاقها وأمومتها نقطتان لصالحها لأنهما منحاها قوة جبارة”، “كل ما قرأته أسس لثورتها، تربيتها الدينية التقليدية الذكورية، واستنكار من حولها أن تدرس امرأة العلوم الدينية”.

تمنح كوثراني مبررات كافية لثورة المرأة على المجتمع الذكوري بشكل تلقائي، سواء من التربية الدينية الذكورية –حسب تعبيرها- واستنكار من حولها هذا الفعل.

لم تكن بداية “كاريزما” المشوقة، بشنق “تاج”، إلا رمزية من الكاتبة لضرورة البداية من حافة النهاية، ليمكن استشراف مستقبل أفضل للمرأة في المجتمع العربي الذي تحكمه الذكورة -حسب رؤية كوثراني- فالأمكنة هي نفسها، والعقول، هي نفسها، لم تتقدم خطوة واحدة، في تغيير المفاهيم حول المرأة. لكن الرؤية أصبحت سوداوية، حين قررت بطلتها “عزة” أن انتظار النهاية “الموت”، هو ما سيغيِّر عالمها إلى ما تتمناه، إلى أن وصلت إلى محطة الخلاص، أو انتهاء الانتظار في لحظة ختام الرواية.

“سألت نفسها ثم أصرت على الانتظار، لا بد أن يحدث ما يجب أن يحدث، بل سيحدث حتمًا، وستغادر هذه الدنيا، دنيا الانتظار، عندئذ سيتغير عالمها نهائيًا”، هذا الانتظار، الذي انتهى بموت “عزة”.

موت البطل في رواية "كاريزما" لم يعن الغياب

لتكون هناك بداية أخرى جديدة، على إرث “تاج”، و”عزة”، هي بداية رشا راوية حكاية “تاج”، والتي كان معها كل الحلول بالولوج أكثر في تفاصيل “تاج”، لاستكمال سيرة “تاج وعزة” بالكلام عنهما.

استلهمت كوثراني المشهد الأخير من حياة الشاعرة “تاج” من المشهد الأخير في حياة الشاعر الإسباني لوركا، حين تم إعدامه، وهو يصر على قول الشعر، لكن من الزاوية النسوية التي انطلقت منها روايتها، وكأن الشعر، أو الكلمات “الأنثى” هي اللعنة التي تحتم على قائلتها النهاية في رواية كوثراني.

من حيث النهاية، بدأت كوثراني “كاريزما”، وبلغة سلسة كشفت عن ثوريتها، التي دعت إليها من خلال استدعاء شخصية ثورية من التاريخ، “تاج” الشاعرة الإيرانية التي تم إعدامها، قبل 200 عام، شنقًا بحبل من حرير، اختارته لتلفه على رقبتها، وإلقائها في بئر وإهالة التراب والحجارة فوق جسدها، فقط لأنها فكَّرت في غير السائد لها كأنثى، بينما ابن رجل الشرطة “ممثل السلطة في الرواية” يقف عاجزًا، تنهمر دموعه، هو فقط يقف ليحمي جسدها، بعد الموت.

تكسر كوثراني في روايتها الحدود التاريخية، أو تماهي الزمن، بين شخصياتها الأنثوية الثلاث الرئيسة “تاج، عزة، رشا”، التي بنتها في تتابع زمني من خلال سرد الثالثة قصة الأولى للثانية، والرابط الأقوى بينهما هو “الأنثى”، لا الزمن، ولا المكان، حتى الشخوص الذكورية المكملة في الرواية، لم تأخذ مساحتها كأبطال رواية، فقط كان المرور السريع، كوميض برق، تنفذ منه الكاتبة إلى فكرتها.

ذاب الراوي في “كاريزما”، فلا تعرف من يحكي لمن، فغاب الراوي العليم الذي ينبئ القارئ بما يعرفه هو وحده، ولخصت كوثراني قضيتها الأيديولوجية في ملخص يمكن إيجازه، بأن الحتمة التاريخية تقتضي أن نبدأ من حيث النهاية، لا أن نبدأ من البداية الأولى، ونكرر أخطاء التاريخ الذي ظلم الأنثى، مهاجمة في روايتها المجتمع الذكوري بكل صوره، حتى أنها انتقمت من كل الذكور في الرواية، بقتلهم، سواء في حياة “تاج”، أو “عزة”، أو حتى “رشا”، حتى من لم يقتل على الحقيقة في الرواية، مات غيابًا، مثل ابن عزة الذي اختفى.

رغم موت البطل الإشكالي المتطور، منذ اللحظة الأولى للولوج في الرواية “تاج” التي اغتالتها العقول المتحجرة، رغم احتفاء الجميع بها، بوصفها شاعرة؛ إلا أن الموت لم يعن الغياب، بل الغياب هو ما عني الموت في أحداث الرواية، ماتت “تاج”، لكنها حاضرة، أخذت “عزة” قصة “تاج”، وماتت، لكنها بقيت حاضرة مع رشا، التي استمر دورها حتى بعد انتهاء الرواية، حين وعدت ابن “عزة” أن تتكلم معه عنها. “أنا أيضًا أحب أنت أتكلم عنها، لا أصدق أنني لن أراها وجهًا لوجه، يبدو أنها تصر على شرح معنى الغياب”.

الملامح الهادئة لا تعني الضعف في كل الأحوال، وهذا ما أشارت إليه كوثراني في شخصية “هادي” الذي ربطته بقصة مع بطلتها الثالثة “عزة”، التي لم تنجرف أو تتورط في علاقة حب كاملة، وكأنها ترفض أن تربط الأنثى مصيرها بمصير أي ذكر، حتى لو كان الإعجاب أو الحب هو المحطة التي تفسر العلاقة بينهما.

منذ البداية تأخذنا كوثراني بلغتها الأخاذة، إلى عالم “تاج”، أو الشاعرة القتيلة، في مقارنة عاجلة بين هيئة ابن رجل الشرطة الذي ارتجف، ولم يستطع أن يمنع دموعه، وبين هيبة “تاج” التي “أطعموها للبئر الوحشية” –حسب تعبير كوثراني، ورغم أن الدموع لم تغسل عار السلطة من قتل الشاعرة، إلا أن بطلة كوثراني “عزة”، التي بكت من قراءة المشهد الأخير في عمر “تاج”، تصر على أن تكمل الحكاية، بينما رشا، وهي تحضن الكتاب يهتز عالم الثلاثة، من لحظة نهاية، تقرر فيه عزة ورشا استكمال حكاية “تاج” التي هزَّت عالم الأنثى داخلهما.

عالم كوثراني في “كاريزما” تحكمه فطرة الانتظار، الذي اعتبرته “الخلاص”، لكنها في الوقت نفسه تساءلت: لماذا دائمًا يكون المخلص ذكر؟، في صعود درامية الحكي، في مواجهتها المجتمع الذكوري الذي يبجل الذكر أكثر من الأنثى، بل ويحارب كل ما تأتي به الأنثى، من محاولة طرح الأسئلة، ولم يتغير شيء منذ شنق الشاعرة القتيلة، وحتى قراءة رشا كل ما طالته يدها عن “تاج” على أسماع “عزة”.

الأنثى الوحيدة التي فرت من مثالية بطلات كوثراني هي أم الحاكم “رمز السلطة”، برمزية بارعة أضفتها الكاتبة على المنبع الذي صدر عنه الحاكم، وهو الأم، التي تعميها العتمة حين تفكر في تاج الشاعرة التي لفتت الجميع، “تعمي العتمة عقل أم الحاكم حيت تفكر في تاج، تتخيل نفسها وهي تدوس عظامها، وتسمع صوت تحطمها تحت قدميها”

أزاحت كوثراني الزمن جانبًا من دفتي روايتها، لتذوب الأنثى في التاريخ مع المفاهيم التي تحاربها، والنتيجة، أن لا شيء تغير، لا في الفكر، ولا في الصراع على السلطة، خصوصًا في بلد مثل لبنان “الخلفية المكانية للرواية”، “أضحكتها فكرة أن يخاف اللبنانيون من المطر، ولا يخافون من عنف تقاتلهم”.

15