اللبناني أحمد بيضون يحاول رد الاعتبار للكلام المهدور

السبت 2014/01/18
بيضون: صفحات الفيسبوك تعمم العنف

بيروت- كان الكاتب والباحث الاجتماعي اللبناني أحمد بيضون قد صدّر كتابه “الصراع على تاريخ لبنان” الصادر بالعربية عن “منشورات الجامعة اللبنانية” عام 1989، بعبارة تنسب للمسيح وردت في نسخة من الإنجيل لا تعترف بها الكنيسة وُجدت في صعيد مصر. هذه العبارة /الوصية هي “كن عابرا“. وبعد أكثر من ثلاثين عاما يُصدر مؤخرا كتابا عن دار “شرق الكتاب” بعنوان “دفتر الفسبكة”.

يصدّر أحمد بيضون كتابه الجديد الموسوم بـ”دفتر الفسبكة”، بأبيات مختارة للشاعر “هنري ميشو”، قام بترجمتها ووضعها بعنوان “ما يستحقه الفسابكة”، وتقول هذه الأبيات: “أيها العالم الكريه، ليس هيّنا أن يستخرج منك شيء حسن/ مدينة من الأسمال سأبنيها لكم/ أنا أبني لكم بلا تصميم وبلا إسمنت/ عمارة لن تقووا على هدمها/ سيسندها ويزيد من حجمها/ ضرب من البديهة المزبدة/ فتحضر لتنهق تحت أنوفكم/ وتحت الأنوف الجليدية من هياكلكم/ وأنوف فنونكم العربية وأنوف سلالة مينغ أباطرتكم/ من دخان ومن ضباب ذائب/ ومن صدى جلد الطبل/ سأنشئ لكم قلاعا ساحقة رائعة/ قلاعا مبنية من الرجّ والزلزلة حصراً/ وسيسقط دون أسوارها نظامكم الدهري وهندستكم/ سيسقطان في صورة لغو وهراء وغبار رمل لا منطق له”.


طاحونة الـ"فيسبوك"


وبعد رحلته في العالم الافتراضي، يختم بيضون كتابه بترجمة أخرى لهنري ميشو واضعا لها عنوان “السيرة “، تقول: “انقضى أوان العمل. تم نسج قميص الصوف، في كل موضع تجده/ نزل التوقيع على الورقة الأخيرة، هذا رحيل الفراشات/ انقضى أوان الحلم، الآن يُحلم بنا. سكوتٌ/ عدنا لا نستعجل المعرفة”.

يصف أحمد بيضون ولوجه إلى عالم الـ”فيسبوك” بأنه دخول في ضجة طاحونية يتم فيها هدر الكثير من الكلام والأصوات والصور. يحاول أن يجعل لدخوله معنى ما، فيقترح مشروعا لضبط المصطلح الفيسبوكي واستبدال مفرداته الشائعة بما يقابلها في العربية من مفردات يعتبرها أصح وأكثر تعبيرا عن واقع الحال.

إذ يقترح مثلا استبدال كلمة صديق بكلمة “صاحب” أو “صاحبة” و”طيب” و”أحسنت” بدلا من “أعجبني” و”فائدة” و”نبذة” بديلا عن “نوت” و”عرضحال” بدلا من “ستاتوس أبدايت”. كما يبادر هو بنفسه وقبل أن يسبقه أحد إلى الإعلان عن عقم هذا المسعى فيعلن أن هذا الجهد يشبه دق الماء.

لماذا يقوم به إذن؟ يبدو وكأن الرجل يقوم بواجبه، ولكنه بات في مرحلة من العمر أضحى فيها معفى من القيام بمثل هذا الجهد وخاصة إذا كان هو نفسه يائسا من جدواه.

التفسير الذي يمكن أن يضيء هذا النزوع إنما يكمن في ذلك المسار المتواصل الذي سعى الكاتب إلى السير عليه انطلاقا من وصية “كن عابراً” وصولا إلى مقدمة وخاتمة كتابه الحالي “دفتر الفسبكة”.

(دفتر الفسبكة)، مجموعة من النصوص تستجيب للطابع البرقي السريع الذي يتطلبه عالم الفيسبوك، وتحافظ على بنية لغوية وفكرية محكمة

يتعلق الأمر بالمسؤولية قبل أي شيء آخر، هو يضعها في مواجهة الهدر الفيسبوكي الذي صار فيه كل شيء متخففا بشكل لا يطاق من المسؤولية، حيث أتيحت للمرة الأولى في التاريخ لكل شخص أن يكون بمتناول يده وعبر تجهيزات بسيطة تكاد تقتصر على الاتصال بشبكة الإنترنت شبكة إعلامية خاصة به تجتمع فيها كل إمكانيات التلفزيون والإذاعة والصحافة معا.

كل شخص صار نجما يعيش نشوة البث المباشر والمتواصل والمعفى من أي مسؤولية إلى حدّ كبير ما أدّى وفق ما يلاحظه بيضون في الحال اللبنانية والسورية إلى تعميم العنف والطائفية والبذاءة وشيوع تردّي الخطاب غير المسبوق بحيث بات من النادر العثور على صفحات فيسبوكية لا تمارس مثل هذا النوع من الخطاب وتتبناه.


فضاء الكلام المهدور


محاولة بيضون تكمن بشكل خاص في محاولة إعادة الاعتبار للكلام المهدور عبر إنشائه مجموعة من النصوص تستجيب للطابع البرقي السريع الذي يتطلبه عالم الـ”فيسبوك”، ولكنها تحافظ في الآن نفسه على بنية لغوية وفكرية محكمة مشحونة بسخرية حكيمة وباردة ومنتبهة. يردد دائما أن ما يكتبه إنما يعبر عنه وأنه أناه الخاصة وشخصيته بمعنى أنه كتاب وجهه الفعلي، وأنه يتحمل كامل المسؤولية عنه.

معظم الداخلين في عالم الـ”فيسبوك” يعتبرون أن ما يقومون بنشره على صفحاتهم وخاصة التعليقات إنما هو نوع من الكلام الفاقد للوزن أو الذي يعبر عن حالة من التواصل الاجتماعي المشبع باللياقات التي ليست في نهاية المطاف سوى تبادل للمعلن "كتاب الوجه الممنتج" في حين يستقر المخفي "كتاب الوجه الحقيقي" في مكان آخر. من موقع المسؤولية يمكن للكاتب أن يبني سيرة ممكنة له.

هو يعلم أن مجالها الوحيد الممكن ليس في ما يتوهمه آلهة الـ”فيسبوك” الجدد وغيرهم ممن يدمنون إتلاف الكلام والمواقف والوجوه وإغراق المعاني تحت فيض مهول من الثرثرة الجوفاء بل في فعل العبور في قلب هذا العالم الكريه ومحاولة استخراج شيء حسن منه. السيرة التي يحاول رسمها لذاته لا تبنى على عملية رصد متسلسل ومحاولة القبض على التفاصيل، فهو لا يرى في ذلك كله سوى نوع من الهدر. تكمن السيرة التي يتبناها ويقوم مشروعه عليها في الدفاع عن اللغة، وتحديدا عن اللغة التي ترتدي هيئة نتف سيبني منها مدينة الأسمال.

هذه المدينة ستتضخم برفدها الدائم بضرب خاص يجيده من بديهة مزبدة من شأنها تدمير العمارات المنتظمة والشاهقة والثابتة، وتاليا الراكدة والميتة التي يوحي الـ”فايسبوك” أنه يقاومها في حين أنه يصنعها.

يريد بيضون سيرة هي عبارة عن الأثر الذي يخلفه العبور. العمارات الشاهقة والضجيج ليسا سيرة ممكنة له، بل تكمن سيرته في حشد الإضاءات اللامعة المؤلفة من دخان ومن ضباب ذائب.

ينهي الكاتب مهمته ويعلن ختاما عن راحة فيسبوكية تتيح المجال للمعرفة أن تتكون في الصمت وفي الهدوء خارج طاحونة الـ”فيسبوك”. يقول بيضون: “لقد تم نسج قميص الصوف. السيرة لا تكمن في القميص المنجز بل في فعل الحياكة نفسه”.

16