اللبناني المتخفي

أن تكون لبنانيا اليوم يعني أن تكون لك قدرة على الاختفاء من خلال تجاهل ضجيج متاعبك اليومية وأفكارك السلبية وتجاهل الآخرين وتجاهل أفكارهم ومتاعبهم.
الجمعة 2018/07/27
خاصية الاختفاء هي نتيجة فعل وتصميم

اللبنانيون يختفون عن نظرات متاعبهم المُلحة كي لا يقعوا تحت رحمتها، هم يتحايلون عليها ببهلونيات تحت أعداد غير معدودة من قبعات الإخفاء التي ابتكروها مع مرور السنوات.

هم أيضا غير مرئيين بالنسبة لبعضهم البعض، إلاّ بحسب ما تقتضي المصالح الشخصية التي تؤمن لهم البقاء على قيد الحياة بأفضل شكل ممكن، وهم ليسوا مرئيين بالنسبة لحكوماتهم المتعاقبة، إنه زمن اللامرئية بامتياز.

أن تكون لبنانيا اليوم يعني أن تكون لك قدرة على الاختفاء من خلال تجاهل ضجيج متاعبك اليومية وأفكارك السلبية وتجاهل الآخرين وتجاهل أفكارهم ومتاعبهم، وهم الذين يشاركونك الظروف القاسية ذاتها.

كما يعني ذلك أن تستطيع بهذه القدرة أن تمارس الحكم الذاتي بقدر كاف من الحرية وبقوانين شخصية عبر صوغك لعلاقة استثنائية مع الطبقة الحاكمة قوامها الاختفاء والتخفّي المُشترك، فمن ناحية لا ترى ولا ترعى الطبقة السياسية هموم وحاجات الناس، والناس في المقابل لا ينتظرون منها أي مبادرة حسنة ولا ينظرون إليها نظرة ترقب أو اعتبار.

وتكمن “الجمالية” ما بعد الحداثية لهذه المعادلة أن حالة التخفّي تلك تأخذنا إلى القصص الخرافية التي كنا نقرأها صغارا، وإلى الكثير من الأعمال الفنية العالمية التي نراها اليوم، منها ما يكتفي مبتكريها بامّحاء أو تذويب الملامح الشخصية للأفراد، ومنها أعمال لأهم الفنانين العالميين الذين انغمسوا في حالة الاختفاء الشخصي في أعمالهم كردة فعل على الأزمات السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية أو كتعبير عن قناعتهم بأن الزمن، وبالرغم من الصخب والاكتظاظ والمتاعب المتراكمة، هو زمن التواري عن الأنظار.

نذكر من هؤلاء الفنانين، الفنان لوي بولين خاصة في مجموعته التي تحمل عنوان “الاختباء في المدينة” والفنانة سيسيليا باريديس التي تذوب ملامحها الجسدية في خلفية جدار مُزركش بالأزهار، والفنانة يايوكي كوساما التي ذهبت إلى حد التماهي الروحي مع خلفية لوحاتها وما يؤثثها من أشكال وأشياء.

وبهدف استيعاب ميزة الاختفاء المُكتسبة لبنانيا بالممارسة، يجب عدم الخلط ما بين حالة الغياب وخاصية الاختفاء، فخاصية الغياب قد لا تكون مقصودة أو مُشتهاة، بينما الثانية هي نتيجة فعل وتصميم.

وتحمل الأولى الكثير من اليأس في شكل التعاطي ما بين الأطراف المعنية بالتواصل مع بعضها البعض ممّا يضعف من حيوية واستمرارية العيش، أما الثانية، أي ميزة الاختفاء، ففيها من الإيجابية ما يسمح بالتلاقي والتعايش المُسالم ما بين كافة الأطراف لا سيما ما بين النافذة والخاضعة منها، وذلك قدر المُستطاع، دون أن يؤدي “التعايش” إلى الاحتكاك المباشر المفضي إلى اندلاع نزاعات دامية لن يُعرف فيها، إلاّ ربما بصعوبة كبيرة لكثرة تداخلها، أي طرف هو المُحق وأي طرف هو المحقوق.

كما تسمح ميزة الإخفاء أو الاختفاء تحت هيئة قناع، القدرة على المثابرة والعمل والحياة من ضمن معادلة لا تعترف بالآخر إلاّ إذا كان مُقنّعا مثله، أو مُلتبس الملامح.

اللبناني في روتين تأمينه للماء وللكهرباء وللأمن الذاتي وللعدالة خارج نظام المؤسسات في مسار حياته الغاصة بضجيج المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية التي تعود أكثريتها الساحقة إلى الفساد المستشري، ابتكر نظاما دفاعيا خاصا مبنيا على أسس شعارات من هذا القبيل: “الشاطر بشطارته” و”ما حك جلدك إلاّ ظفرك، فتولى جميع أمرك”.

وكيف لا تتحوّل هذه “العصامية” المشبوهة الأصول والتحقيق إلى نوع من الاكتفاء الذاتي والانكفاء إلى الحاجات الشخصية المُباشرة وما يترتب عن ذلك من نشوء بيئة صديقة للغرور والأنانية؟

وعند بروز أي صدفة، يقول اللبناني، كما في أغنية لكليف ريشارد “أحدهم يقول بأنه من الصعب معرفة بماذا أفكر/ أجيد الابتسامات ولساني طليق/ لكن لا تنظر إليّ عن قريب/ أنا لا أحب التحديق/ الآن تراني ولا تراني/ افهمني الآن ولن تفهمني/ أنا في مجال الرؤية/ أنا على خشبة المسرح/ عمري 17 ولكني لا أبدو كذلك..”.

17
مقالات ذات صلة