اللجوء إلى المعتدلين السوريين حتى إشعار آخر

الجمعة 2014/10/31

رغم كثافة الاتهامات المتبادلة وتناقضها بين الفصائل الموصوفة بالمعتدلة مثل جبهة ثوار سوريا وحركة حزم من جهة، وجبهة النصرة والفصائل القريبة منها من جهة أخرى، إلا أن هناك بضع وقائع مؤكدة يمكن الركون إليها لبناء قراءة متوازنة للصراع الذي انفجر بين الطرفين مؤخرا في شمال سوريا.

أول تلك الوقائع أن الطرفين كانا متأهبين لقتال بعضهما منذ زمن طويل، وأن الأصابع كانت على الزناد، فالأطراف المعتدلة المدعومة أميركيا تتوجس الريبة من الجهاديين، الذين تعتقد أنهم يتحينون الفرصة لابتلاعها وإعلان إمارة خاصة بجبهة النصرة وحلفائها على غرار دولة “داعش”، فيما يتحسب الجهاديون من أجندات محاربة الإرهاب التي لابد أن تكون قد أرفقت بالدعم الكبير الذي يتلقاه فصيل جمال معروف على وجه التحديد.

ثاني تلك الوقائع هي أن جبهة النصرة في طريقها إلى الاختصاص بمنطقة شمال غرب سوريا، وجعلها منطقة نفوذ مقصورة عليها، فهي منذ أن هزمت في شرق البلاد وطردت على يد “داعش”، بدأت بتجميع قواتها في هذه المنطقة، وعينها على جبل الزاوية، الذي يقع تحت نفوذ جبهة ثوار سوريا، وهو مكان يصلح لأن يكون قاعدة ومقر قيادة لحرب عصابات طويلة الأمد، سواء مع النظام أو مع القوى الغربية، وما هجومها الخاطف والناجح نسبياً على مدينة إدلب، ومن ثم بسط سيطرتها على عدد من البلدات والمدن في يوم واحد، سوى مؤشر على ذلك الاستعداد المسبق لخطتها، على أن هذا الحصن الطبيعي ليس كل ما يفوز به من يسيطر على شمال سوريا الغربي، فهناك أيضاً المعابر الحدودية الرسمية مع تركيا، وطرق التهريب المختلفة، وعائداتها مورد مالي لا يستهان به، إضافة إلى الكميات المهولة من السلاح المخزن لدى الفصائل المختلفة هناك، وبعضها نوعي قدم لها على خلفية كونها فصائل معتدلة، أما وقوع هذه المنطقة بمحاذاة اللاذقية وجبال العلويين وصولاً إلى البحر المتوسط، ووقوعه بين عاصمة الشمال حلب والعاصمة السورية دمشق مروراً ببوابة حماة، فيمنحها موقع حاكم ليس في الشأن السوري وحسب بل على مستوى الإقليم، ولا يمكن مقارنة أهمية تلك المنطقة بالصحارى الفارغة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية على سبيل المثال.

ثالث تلك الوقائع أن الصدام حدث عندما طاردت جبهة ثوار سوريا بضعة عشرات من عناصرها الذين انشقوا بسلاحهم والتحقوا بجبهة النصرة، وهو مؤشر أول على ارتدادات السياسة الأميركية الأنتقائية ضد الإرهاب على حلفائها المحليين، فهي تستهدف التنظيمات المتطرفة السنية، وتدعم أو تغض النظر عن التنظيمات الشيعية المتطرفة، فالكفة الآن داخل جمهور الثورة السورية، وخاصة من المقاتلين، بدأت تتحول من التعاطف مع الجهاديين، إلى الوقوف إلى جانبهم ضد حرب الحلفاء، ومن يواليهم من السوريين.

أما رابع الوقائع فهي عزوف القوى الدولية والإقليمية المتنطعة للحرب على الارهاب عن دعم الفصائل المعتدلة بشكل جدي، رغم تحريضها الدائم لها، وتمييزها عن الآخرين بتقديم بعض الأسلحة والذخائر، لكنها كانت دون المستوى المطلوب.

وكانت الضربة القاصمة لهذه القوى، هو عدم اعتمادها كطرف سوري في الحرب التي يشنها التحالف العربي الغربي على “داعش”، وإبقائها على الحياد، بعيدة عن مجريات هذا الحدث بشكل صريح وعلني عبر عنه الجنرال جون آلن منسق عمليات التحالف عندما قال إن “هذه القوات لن يكون لها دور في الحرب الحالية، ولن ندعمها لمحاربة نظام الأسد، بل للدفاع عن نفسها، ونعدها لتشارك مع هذا النظام في صياغة الحل السياسي المستقبلي، الذي سيكون الأسد شخصيا خارجه”.

والخلاصة أن الاستراتيجية الأميركية تسعى في جانب منها إلى تقوية الفصائل الجهادية، وتأمين ما يمكن وصفه بالتغذية الراجعة لها، ويبدو أنها غسلت يديها من فكرة إسقاط نظام بشار الأسد واستبداله بالمعارضة الحالية العاجزة والضعيفة، وتركز اهتمامها، فقط، على جعل سوريا بلدا تتقاسمه قوتا أمر واقع مرفوضتان من قبلها، هما نظام الأسد والجهاديون السنَّة، وإخلاء الحلبة لهما حتى ينهكا بعضهما البعض.

وعلى نيران الحرب التي ستزداد اضطراما هناك، سيتم إنضاج عدة طبخات إقليمية في آن واحد، من إيران إلى مصر، مرورا بالعراق ولبنان وفلسطين، أما السوريون فعليهم في هذه المرحلة أن يعتبروا بلادهم منطقة عمليات عسكرية، وأن يحزموا حقائبهم ويغادروا إلى بلدان اللجوء، فالمجتمعون في مؤتمر برلين الخاص بسوريا، أعلنوا بلا مواربة أنهم يسعون لإيجاد حلول تمتد لسنوات لللاجئين السوريين، وبأعداد متزايدة!

12