"اللحظة التونسية" التي شكلت فكر ميشال فوكو

"مقاومة القطيع" تعيد كتاب "ولادة العيادة" إلى الواجهة.
السبت 2020/10/10
"اللحظة التونسية" أعادت تشكيل حياة فوكو

في أوقات الأزمات الصحية، تكتسب أسئلة الطاقة الحيوية دلالات جديدة، فإلى أي مدى تعد أفكار ميشال فوكو، وهو واحد من أبرز منظري السياسة الحيوية، متجاوبة مع الحدث الأبرز عالميا اليوم، وكيف يمكننا استجواب أو رفض نظرياته التي تضمنها كتابه “ميلاد العيادة” في ظل جائحة كورونا، وكيف سيرد شبحه إذا ما تم استدعاؤه من بين الأموات؟

القدر وحده هو من رمى بي في طريق ميشال فوكو. أقول القدر، لأن الأمر احتاج إلى 16 عاما تقريبا لأكتشف نزل “ميزون دوريه”، في نهج ضيق من أنهج مدينة تونس، على بعد خطوات من أكبر مكتبة لبيع الكتب، اختار صاحبها أن يطلق عليها اسم “بهجة المعرفة”، وهو عنوان كتاب للفيلسوف الألماني الشهير نيتشه.

رغم رائحة الرطوبة التي تنبعث من المكان، ممتزجة برائحة عرق ورائحة حمضية مصدرها دورات المياه، إلا أن للجعة هناك مذاقها الخاص.

لا تنتظر مساعدة من العاملين ليقودوك عبر متاهة من الحجرات الصغيرة، ينفرد فيها أزواج من العشاق، وتودي بك أخيرا إلى صالة معتمة يتصدرها بار تلتف حوله وجوه متعبة، وجوه تبدو لك غامضة للوهلة الأولى، ولكنها على استعداد لإخراج كل ما في جوفها بعد أول كأس جعة تقدمه لها.

اللحظة التونسية

المكان أشبه بامرأة تقدم بها السن، ولكنها ما زالت تحتفظ بالقليل مما يوحي بجمالها الآفل. وسرعان ما تكتشف أن النساء اللواتي تجاوزت أعمارهن سن الخمسين والستين يتشاركن مع المكان نفس الصفة.

خطوط الأجساد الموزعة بين الطاولات، أشبه ما تكون برسومات الفرنسي تولوز لوتريك، الذي اختص في رسم بائعات هوى تقدم بهن العمر. ولكن الجو العام مختلف. لوحات لوتريك تشع بالضوء وتضج بالألوان، فهو وريث المدرسة الانطباعية وإن تنكر لها وشق طريقا خاصا به.

الضوء واللون كانا ليعجبا فنانا مثل رامبرانت، ولكن الموضوع حتما كان ليأسر لوتريك.

بوريس جونسون: على البريطانيين أن يكونوا مستعدين لفقدان أحبائهم
بوريس جونسون: على البريطانيين أن يكونوا مستعدين لفقدان أحبائهم

فجأة استيقظ الفنان النائم داخلي منذ أربعة عقود، ورحت أرسم المكان افتراضيا.

مكان مثالي للمبدعين، تكاد جدرانه والطاولات الموزعة اعتباطا في أرجائه أن تنطق.

خلال مارس 1968، الذي شهد اندلاع الثورة الطلابية في تونس، كان يرتاد إلى النزل رجل فرنسي، عاش في تونس فترة عامين ونصف العام، أستاذ يدرس مادة الفلسفة في جامعاتها، لم يكن حينها يحظى بشهرة واسعة. ولكن تجربته التونسية، التي أطلق عليها المفكر فتحي التريكي عبارة “اللحظة التونسية”، أعادت تشكيل حياته ومواقفه، ليصبح واحدا من أكثر فلاسفة القرن العشرين أهمية وإثارة للجدل.

لم يعد نزل ميزون دوريه والمطعم والبار الملحق به، اليوم، سوى شبح هزيل لما كان عليه في فترة الستينات، ولم يعد نهج هولندا، الذي يقع فيه النزل، يحتفظ ببهائه الريفي الذي كان عليه يوما.

الشارع، الذي يؤدي من منطقة المحطة إلى وسط تونس، ما زال هناك يعبره يوميا آلاف المسافرين، لكنه خضع لعدة تغييرات.

الاختناق، الذي عانت منه العاصمة، أكره المسؤولين على بناء خط للميترو اخترق الشارع، لتختفي الأشجار بمرور الوقت، وتختفي معها مدرسة نوتردام دي سيون، وتم صب الخرسانة حول حدائق السفارة الفرنسية.

الفنان بول كلي صرخ على أسوار القيروان، هنا أصبحت فنانا، وميشال فوكو، نزيل ميزون دوريه، قال إن الأحداث التي عايشها في تونس خلال ثورة الطلاب كانت بالنسبة إليه “تجربة سياسية حقيقية”.

أسمع دائما من يقول، دون وعي أو إدراك حقيقي، إن التونسيين يقلدون كل ما يأتي من فرنسا، وهذا غير صحيح، ثورة تونس الطلابية اندلعت خلال شهر مارس 1968، تلتها بعد شهر تقريبا الثورة الطلابية في فرنسا، خلال شهر مايو من نفس العام.

الفيلسوف هربرت ماركوز تساءل باستنكار “أين كان فوكو في زمن متاريس مايو 1968؟”.

حسنا، يجيب فوكو “لقد كنت في تونس لسبب يتعلق بظروف العمل. يجب عليّ أن أضيف شيئا، وهو أن هذه التجربة كانت حاسمة بالنسبة لي. لقد حالفني الحظ في حياتي، وعاينت على أرض الواقع حقائق مهمة. في السويد، رأيت البلد الديمقراطي الاجتماعي الذي عمل جيدا، وفي بولونيا، رأيت الديمقراطية الشعبية ومردودها السيء، وتعرفت، عن كثب، على جمهورية ألمانيا الفيدرالية في أوج ازدهارها الاقتصادي، في فترة الستينات. وأخيرا، عشت في بلد غير نام، هو تونس، لمدة عامين ونصف العام”.

أحداث مارس 1968

في ظل جائحة كورونا العالم يستدعي ميشال فوكو
في ظل جائحة كورونا العالم يستدعي ميشال فوكو

كانت التجربة التونسية أكثر ما صدمني “قبل مايو 1968 بقليل، كان هناك تحريض طلابي عنيف جدا بفرنسا. حدث ذلك أيضا في تونس خلال شهر مارس من السنة نفسها، إضرابات، مقاطعات للدراسة واعتقالات، حدث تلو الآخر، على مدار السنة. لقد اقتحمت الشرطة حرم الجامعة، وهاجمت طلابا كثرا، جرحت من جرحت منهم، وألقت بآخرين في غياهب السجون، وأصدرت المحاكم ضد هؤلاء الطلاب أحكاما بالسجن، تراوحت بين ثماني سنوات وأربع عشرة سنة.

لقد وجدت نفسي أستاذا فرنسيا منغمسا في ذلك الواقع، وكانت لي طريقة أفضل لفهم الوضع، وتصنيفه ليأخذ مكانه الطبيعي، مقارنة بما كان يحدث في جامعات أخرى في العالم.

كنت أثناء هذه التغيرات الانقلابية مصابا بالذهول من هؤلاء الشبان، رجالا ونساء، الذين عرّضوا أنفسهم لمخاطر حقيقية، بسبب كتاباتهم لشعارات، أو بسبب توزيعهم لمنشورات، أو تحريض الآخرين على المشاركة بالإضرابات. كانت مثل هذه الأعمال كافية أن تضع حياة أو حرية المشاركين فيها في خطر. كل هذا ترك انطباعه القوي داخلي. ما عشته في تونس كان بالنسبة لي تجربة سياسية حقيقية”.

ويؤكد فوكو أنه طالما أحس بالمرارة حين كان يفكر بالفارق الكبير بين ما كان عليه الطلاب التونسيون الماركسيون، وبين ما عرفه عن تشكيلات الماركسية في أوروبا، وأن تونس مثلت بالنسبة له فرصة ليعيد اكتشاف نفسه مجددا.

“لم يكن مايو 1968 بفرنسا هو ما غيّرني، بل أحداث مارس 1968 في بلد من العالم الثالث اسمه تونس”.

المفكر والفيلسوف التونسي فتحي التريكي واحد من الذين استمعوا لدروس ميشال فوكو في الجامعة التونسية، ومن الذين استمتعوا بمجالسته والنقاش معه خلال إقامته بتونس.

سعى التريكي على مدى سنوات إلى إلقاء الضوء على هذه الفترة المهمة من حياة ميشال فوكو، نظرا لما أنجزه الفيلسوف الفرنسي، خلال فترة إقامته هناك، بداية بتأليفه لكتابه المرجعي في الفكر البنيوي “حفريات المعرفة”.

كانت تونس مرحلة الممارسة الفلسفية الحقيقية، والممارسة السياسية الفعلية، لفوكو، وهذا بلسانه.

“اللحظة التونسية” أتاحت لفوكو، كما يقول، الفرصة ليعدل ويعيد صياغة الأجزاء السائبة التي أقلقته في مؤلفاته، مثل “تاريخ الجنون” و”ميلاد العيادة”.

المفكر حسن المصدق، أستاذ الفلسفة في جامعة فانسين باريس، تحدث عن الكتابين، وأشار إلى أهميتهما، مؤكدا أن فوكو “يحاول في دراساته دائما ‘تفكيك’ نظم المصادرة والترويض والتدجين والتطويع والضبط، التي يتعرض لها الجسد، من خلال تحليل بنى الرقابة، بشقيها المادي والرمزي، في المؤسسات المختلفة (البيت، الشارع، المدرسة، الجامعة، المستشفى، المعمل والسجن…)، حيث تتداخل نظم الضبط ووسائل السيطرة مع نظام القيم السائدة، ليساهم ذلك في ‘مسخ’ الجسد وإقصائه”.

شبح فوكو

نهج هولندا فقد بهاءه الريفي
نهج هولندا فقد بهاءه الريفي

لقد اختص فوكو نظام الممارسة الطبية، ونظام السلطة التأديبية، بتحليل عميق للكشف عن دورهما في ترويض الجسد وتدجينه، وذلك من خلال كتابيه: ميلاد العيادة أو أركيولوجيا النظرة الطبية.. المراقبة والعقاب، وتاريخ الجنون.

ويرى فوكو أن الطب يمثل أحد النظم الأساسية التي ساهمت في إخضاع الجسد وضبطه، فقد تنامت السلطة الطبية وبسطت قبضتها على كل المجالات، تحت دعوى رفع مستوى رفاهية الأفراد والسكان، وكان هذا الاتجاه فعالا للغاية، خاصة مع إحلال الطب الآلي محل الطب الإنساني.

اليوم، مع انتشار فايروس كورونا، وتحوله إلى وباء، يستحضر العالم شبح فوكو.

ليس أسهل من أن تعثر على اقتباس من المفكر الفرنسي، وبيانات تستشهد بمقاطع من كتابه “ميلاد العيادة”، تحذر من تنامي التعدي على الحقوق المدنية الأساسية، في سياق رد فعل الحكومات على الوباء.

على مدار الأشهر الماضية، كان هناك انفجار حقيقي في المساهمات العلمية النقدية، التي تهدف إلى فهم الاستجابات السياسية لوباء كوفيد – 19، ومن هذه المساهمات المحاضرة التي ألقاها أحمد الدردير، افتراضيا، ضمن البرامج الأكاديمية والمحاضرات التي نظمها معهد القاهرة للعلوم الحرة “سيلاس”، وعنوانها “كوفيد – 19 والهيمنة: شبح ميشال فوكو”.

فوكو ابتكر مصطلح “أركيولوجية المعرفة”
فوكو ابتكر مصطلح “أركيولوجية المعرفة”

وتأتي المحاضرة كنقاش جاد لربط أفكار فوكو، حول مفاهيم الطاقة الحيوية والسياسة الحيوية، بأزمة فايروس كوفيد – 19 وما لحق به من سياسات دولية تطول حياة الأفراد.

ناقش الكاتب في محاضرته، ليس فقط صاحب كتاب “ميلاد العيادة”، بل تطرق إلى المفكر الإيطالي جورجيو أغامبين وآخرين. ينضم الدردير إلى باحثين تناولوا كوفيد – 19 وعلاقته بأفكار فوكو في بلدان مختلفة من العالم، مثل اللبناني ماثيو حنا، إلى جانب دراسات أخرى نشرها باحثون أمثال جان سيمون، وكريستوف شيمان، وكلير أوفاريل، وتودور خريستوف.. وآخرين.

التمعن ومن ثم “تفكيك” أزمة كورونا، وفق منظور فوكو، سيرينا أن العالم يعيش اليوم حالة يتم فيها الجمع بين عناصر السيادة والانضباط والسلطة والسياسة الحيوية.

“مثلث” فوكو للسيادة والانضباط والحكم الذي قدمه في محاضرته عام 1978، يطرح مسألة السلطة الحيوية، التي تعالج رفاهية السكان، ويتم تنظيمها من خلال قرارات حول “العيش” و”الموت”، وهذا يعني أن معظم استجابات الدولة للفايروس تم تبريرها بمصطلحات السياسة الحيوية، والضرورة الشاملة، التي تقضي بإبقاء أكبر عدد ممكن من الناس على قيد الحياة.

مثال على ذلك، الخطة البريطانية المثيرة للجدل، التي وصفها البعض بأنها “خطة حرب”، فهي تقبل بفكرة الضحايا “كشر لا بد منه”، وتقبل بمنطق الحد الأدنى من الخسائر. ليمر الوباء يجب أن يصاب 60 في المئة من المواطنين بالفايروس، ومن ثم يكتسب البريطانيون “مناعة القطيع”.

بالنسبة للبعض، يبدو المصطلح نفسه مهينا ومقلقا.

يخبر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، البريطانيين، بأن عليهم أن يكونوا مستعدين لفقد أحبائهم، خاصة من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. وهؤلاء، بالطبع، الفئة السكانية غير المنتجة.

تاريخ الجنون

في مقاله بمجلة فورين بوليسي الأميركية، اعتبر فلوريان بيبر أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة غراتس النمساوية أن “الوباء (كورونا) وفّر للحكومات الدكتاتورية والديمقراطية، على حد سواء، فرصة للتعسف، وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات المدنية”.

ويرى بيبر، وهو مؤلف كتاب “مناقشة القومية.. الانتشار العالمي للأمم”، أن “الإجراءات الحالية قد تنجح في التخفيف من انتشار الفايروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطرا من نوع آخر، إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه قبل مارس من العام الجاري، حتى بعد تراجع خطر الفايروس”.

هربرت ماركوز: أين كان ميشال فوكو في زمن متاريس مايو 1968
هربرت ماركوز: أين كان ميشال فوكو في زمن متاريس مايو 1968

لم يكن فوكو في كتابه “ميلاد العيادة” مهتما فقط بالعقوبة والمراقبة والجنسانية، بل ربما كانت أكثر أفكاره تأثيرا وعمقا، هي فكرته عن “السياسة الحيوية”، عن مساحة الالتقاء بين السلطة ومجالات الحياة، الحياة بمعناها الأكثر مباشرة وحسية، الحياة العضوية.

تتعلق السلطة الحيوية بالمواطنين ككائنات بيولوجية، كأجساد تخضع للفحص، والتصنيف، والعلاج، والعزل، وحكم الحياة والموت أيضا، لا في السجون والمدارس فقط، بل في العيادات والمستشفيات، قبل أي مكان آخر.

ولكن، من هو ميشال فوكو، الذي أعادته الجائحة إلى الحياة؟

يعتبر فوكو من أهم فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، تأثر بالبنيويين، ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”. ابتكر مصطلح “أركيولوجية المعرفة”. أرّخ للجنس، أيضا، من “حب الغلمان عند اليونان”، وصولا إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في “تاريخ الجنسانية”.

ولد فوكو في أكتوبر عام 1926، وتوفي في 25 يونيو 1984، وقد كان لكتاباته أثر بالغ على المجال الثقافي، طال ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية ومجالات مختلفة للبحث العلمي.

عرف فوكو بدراساته الناقدة والدقيقة لمجموعة من المؤسسات الاجتماعية، منها على وجه الخصوص: المصحات النفسية، المستشفيات، والسجون. لقيت دراساته وأعماله في مجال السلطة والعلاقة بينها وبين المعرفة، صدى واسعا في ساحات الفكر والنقاش.

توصف أعماله من قبل المعلقين والنقاد بأنها تنتمي إلى “ما بعد الحداثة” أو “ما بعد البنيوية”، على أن اسمه، في الستينات من القرن الماضي، غالبا ما ارتبط بالحركة البنيوية.

ويأبى القدر، الذي لعب دورا كبيرا في حياة فوكو، إلا أن يلعب دوره في الطريقة التي توفي بها أيضا. أثناء وجوده في سان فرانسيسكو التقط عدوى الإيدز، وذلك قبل أن يتم التعرف على المرض ويتم وصفه، (سجلت أول حالة إيدز في العالم عام 1980).

لا يعرف مدى فهم فوكو لطبيعة مرضه، وكيف أصابه المرض أو انتقل إليه، لكن بعض كتاب السيرة الذاتية، وصفوا حياته الجنسية، في ذلك الوقت، على أنها استكشاف عملي لأفكاره حول السلوك السوي والسلوك الشاذ، والعلاقة ما بين اللذة والموت.

عندما ذهب فوكو إلى سان فرانسيسكو للمرة الأخيرة، اعتبر ذلك تجربته القصوى. وهذا ما كان.

16