اللحظة الفاصلة لسمير جعجع

السبت 2014/05/31

بدخول لبنان- رسميا- مرحلة الفراغ، ابتعد الاستحقاق الرئاسي عن الدائرة اللبنانية الدافئة إلى الدائرة الإقليمية الغائمة، لكن فرصة الصناعة اللبنانية لمقام الرئاسة لم تنته. صناعة الرئيس في لبنان تمر بأربع دوائر: الدائرة المسيحية، لو فشل الاتفاق داخلها على اسم معين ننتقل إلى الدائرة الإسلامية. إذا فشل السنة والشيعة في اختيار الرئيس ننتقل إلى المستوى الخارجي، الدائرة الإقليمية. بعد الفشل المسيحي ثم الإسلامي تصبح صناعة الرئيس مرهونة بتفاوض سعودي- إيراني، وفي حال لم ينجح هذا المستوى ننتقل إلى المستوى الأخير، الدائرة الدولية. والخطورة في فشل هذا المستوى أنها تحول الفراغ إلى مؤسسة دائمة تستدعي مؤتمرا تأسيسيا يهدد صيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين التي تجسد معنى لبنان.

من الواضح أن المستوى المسيحي فشل تماما. والرهان الآن على المستوى الإسلامي الذي تداول ثلاثة أسماء ليكون من بينها الرئيس المقبل: حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، السياسي العتيق جان عبيد وقائد الجيش جان قهوجي المفضل لدى (حزب الله).

المشكلة في إنجاز المستوى الإسلامي مرتبطة بالعلاقة العضوية بين حزب الله وإيران، والحلف الحميم مع الجنرال ميشال عون. تعتقد إيران أن الفراغ فرصة جدية لمؤتمر تأسيسي يكرس لبنان تحت وصايتها الدائمة من خلال المثالثة، أهمية لبنان لإيران تتلخص في موقعه الجغرافي شمال إسرائيل، إضافة إلى أنه مطلها المنطقي الوحيد على المياه الدافئة. من جهة أخرى، فالجنرال عون يرى في اللحظة الراهنة فرصة أخيرة- بحكم السن- لتحقيق حلمه، رئاسة الجمهورية ثم جنازة رئاسية حين يأتي الأجل.

دخل تيار المستقبل إلى الدائرة الإسلامية بتصور “أي رئيس أفضل من الفراغ حتى لو كان عون” لأنه اختار شرعية التمثيل الحكومي- فقط- للطائفة السنية، ليملأ جعجع بجدارة تمثيلها السياسي ويعوض زعامتها المرتعشة. عون بالنسبة إلى سعد الحريري هو الخيار الأخير، لأن خياره الأول هو الرئيس الرمادي. وعليه، ما الدور الذي يجب أن يقوم به جعجع مرشح 14 آذار؟

على جعجع الاعتراف بأنه اقتحم سباقا رئاسيا قويا بحملة ضعيفة، فالذين ينتخبون الرئيس هم نواب البرلمان لا جموع الشعب، ومن خلال جلسة التصويت الوحيدة اتضح أن حملة جعجع لم تدرس المشهد الانتخابي. قبل التصويت، صرح أنه سينال أصوات 59 نائبا هي كتلة 14 آذار، في حين يعرف المتابعون أن الكتلة انتهت إلى 53 نائبا بعد أن تجاوزت السبعين حين ربحت الانتخابات.

لم تبلغ الحملة الانتخابية جعجع أن الطريق إلى الرئاسة سالكة في حال اتحاد قوى 14 آذار. وأن المطلوب بدء الحملة الانتخابية قبل عام من الاستحقاق لا قبل أسابيع، وأنه من الواجب معالجة حساسية أقلية “طرابلسية” بالتواصل مع النائب محمد كبارة وكتلة الرئيس نجيب ميقاتي والاتفاق معهم بالتوازي مع مواجهة التلفيق السوري لقضية رشيد كرامي إعلاميا وقانونيا. لم تبلغه الحملة أن تفريط 14 آذار في حلفائها بعد الانتخابات، وتسرب بعض نوابها إلى ميوعة الوسط، أو إلى ظلمة الطرف الآخر كارثة في حق لبنان قبل الحلف السياسي.

لم تبلغ الحملة جعجع أن وليد جنبلاط حليف لا يعوض، ولا فرصة للوصول إلى الرئاسة من دونه، وأنه منزعج من تبني القوات لقانون انتخابات عنصري (القانون الأرثوذوكسي) يمس نفوذه السياسي بضراوة. جنبلاط لن يدعم مرشحا لا يتمسك معه بقانون الستين الانتخابي، لذا فالرهان على تصويته المجاني انفصال عن الواقع.

لم تبلغ الحملة جعجع بأهمية الناخب العربي في انتخابات الرئاسة اللبنانية، وأن الواجب يتحتم بجولة مكوكية عربية هدفها إبعاد أي أثر سلبي على حملته الانتخابية، وأن جعجع في يده أن يُطمئن العرب بأنه من يحمل في يده مفتاح مصالحة المسيحيين النهائية مع العروبة- لا القومية العربية- ومفتاح مصالحة المسيحيين الحاسمة مع القضية الفلسطينية. كان واجبا على الحملة أن تنبه جعجع إلى أن التلفيق السوري عنه كمرتكب لمجزرة صبرا وشاتيلا يستدعي تعاملا جديا وواسعا. والحق أن جعجع يتعاطى بمسؤولية كبيرة وإيجابية مع القضية الفلسطينية في مواقفه السياسية الدورية ثم برنامجه الرئاسي.

المتوقع من جعجع أن يكون على مستوى الزعامة الوطنية التي حققها بين المسلمين والمسيحيين بعد خروجه من السجن الجائر. عليه أن يبلغ حلفاءه- داخليا وخارجيا- بأنه لا يتمسك بالترشح للرئاسة، لكنه يتمسك بموقع صانع الرئيس ولا يقبل بموقع أقل من المفاوض الأساسي عن 14 آذار. ربما عليه أن يفكر في محاصرة الطرف الآخر، بإعلان ترشيحه لرياض سلامة أو هنري حلو، وأن يسعى في تأمين غطاء البطريركية المارونية لهذا الترشيح إنقاذا للبنان من الفراغ.

ترشيح هنري حلو- مثلا- من 14 آذار مع كتلة جنبلاط وصوتي كبارة والقادري يؤمن وصولا مضمونا إلى الرئاسة، كما أنه يكشف ناخبي الفراغ أمام اللبنانيين والعالم، والأهم أننا نضع صناعة الرئيس في الدائرة الوطنية بقيادة جعجع. المتوقع منه أيضا، العمل على إعادة وحدة 14 آذار سياسيا وانتخابيا وتكريس موقعه كزعيم وطني.

حظوظ جعجع في الرئاسة انخفضت ما لم يزل نظام بشار الأسد، لكنها ارتفعت لعام 2020، شريطة عمل يبدأ من اليوم وتغيير حملته الانتخابية التي ربما تساهم بلا قصد- إذا استمرت- في إيصال الخصوم إلى الرئاسة بعد ست سنوات!


صحافي سعودي

9