اللحوم الصناعية تطرح جدلا اقتصاديا وطبيا وأخلاقيا

توصلت شركة أميركية إلى طريقة لتصنيع لحوم نظيفة مشابهة للحوم الحيوانات والطيور، بنفس الطعم والقيمة الغذائية دون الحاجة إلى ذبحها. وكان بيل غيتس، المؤسس المشارك في مايكروسوفت، قد قرر برفقة رجل الأعمال ريتشارد بنسون إضافة إلى عدد كبير من المستثمرين دعم الشركة الناشئة بـ22 مليون دولار. وتعتمد الطريقة التي تتبعها الشركة للحصول على لحوم اصطناعية على تصنيع خلايا حيوانية مماثلة للطبيعية باستخدام النباتات، دون ذبح الحيوانات، وبتكاليف أقل من اللحوم التقليدية ومعدل سعرات حرارية أقل. وأنتجت الشركة “اللحوم النظيفة” فعليا، وهي لحوم البقر والدجاج والبط المصنوعة مباشرة من الخلايا الحيوانية والتي لا تتطلب ذبح الحيوانات.
الثلاثاء 2017/12/05
رعب الحديث عن أطباق شهية من الخلايا الجذعية

تتوقع الشركة زيادة في عدد العاملين إلى أربعة أضعاف، وبدأت فعليا في زيادة فريقها المكون من الطهاة والعلماء والمبدعين ورجال الأعمال. وتقول الشركة إنها تأمل في جلب منتجات اللحوم النظيفة للمستهلكين في جميع أنحاء العالم خلال فترة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام قادمة. ويشمل خطها الإنتاجي الأول النقانق أو ما يعرف بالهوت دوغ والبرغر واللحوم، والتي ستستخدم في جميع الوصفات التي طورها أفضل الطهاة من الحائزين على جوائز عالمية. وبالفعل، ظهرت أشكال من هذا اللحم أخيرا وعلى نطاق ضيق في بعض مطاعم ومتاجر متخصصة بالعاصمة النمساوية فيينا، وكما هو الحال في الطريق إلى مدينة غراتز والعاصمة الألمانية برلين.

وتقوم عملية تصنيع اللحوم على أخد عيّنات من الأنسجة الحيوانية وتربيتها إلى أن تصبح قطعا من الأنسجة العضلية مما يمكن من تقديمها للاستهلاك البشري.

وأوضح باحثون ومختصون أن تقنيات تصنيع اللحوم داخل المختبرات من شأنها أن تحد من مشكلات الجوع، حيث يمكن إنتاج كميات كافية لسد حاجات دول بأكملها، بالإضافة إلى الحفاظ على البيئة وحمايتها من الغازات المنبعثة من الفضلات الحيوانية. وحُلم تصنيع اللحم في المختبرات ليس جديدا، لكنه بدأ يتحقق وستدخل شرائح اللحم الصناعي المتاجر والبيوت في السنوات القادمة، كما تشير أبحاث في هذا الخصوص.

الشرارة الأولى لحلم صناعة اللحوم بدأت عام 1908 في مختبر الفرنسي الفائز بجائزة نوبل في الطب عام 1912، ألكسي كاريل، الذي قام بوضع قطعة من لحم الدجاج في محلول مغذ ومع مرور الوقت اكتشف أن حجم شريحة اللحم يتضاعف مع الاحتفاظ بحيويتها وخصائصها. واستمرت هذه العملية مرات ومرات حتى توفي كاريل عام 1944، لكن شرائح اللحم المزروعة في أنابيب الاختبار لم تتوقف عن النمو في مختبره وقد أثارت هذه التجارب خيال بعض الكتاب فأطلقوا على اللحوم المنتجة في المختبرات اسم “لحوم فرانكنشتاين”.

وفي العام 1995 أكدت وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” دعمها لأبحاث اللحوم الصناعية لتوفير البروتين اللازم لرواد الفضاء في حالة قيامهم برحلات طويلة إلى الفضاء، خصوصا الرحلة الأولى المنتظرة إلى كوكب المريخ، كما تسابقت مراكز الأبحاث والمختبرات والشركات على مستوى العالم لتسجيل براءات اختراع في هذا المجال.

ويعتبر المتحمسون لهذا المنتج أن مستقبلا واعدا ينتظره في توفير بديل للحوم وليصبح في متناول الجميع، وخاصة مع تقديرات لمنظمة الصحة العالمية بأن الطلب على اللحوم سوف يتضاعف بحلول العام 2050 بنسبة 70 بالمئة.

أما المتحفظون والمعارضون للحوم الصناعية فينظرون بعين الريبة والخوف إلى هذا الأمر، حيث يحذرون من تبعاته الصحية ويشككون في إمكانية نجاحه ويقرعون طبول التحذير من ارتداداته الأخلاقية ويطرحون أسئلة مشروعة وأخرى يبدو مبالغا فيها كما هي العادة عند استقبال منتج أو ابتكار جديد.

وفي العالم العربي مازال التفاعل مع موضوع اللحوم الصناعية يمتاز بنوع من التحفظ أو البرود، وفي هذا الصدد يقول الطبيب والباحث المصري توفيق شلبي إن “إنتاج هذه الأنسجة يقتصر على حدود البحث العملي نظرا لتكلفته الباهظة، ولذلك استبعد أن تكون هذه طريقة ناجعة لمواجهة أزمة الغذاء”.

وعلى مستوى آراء رجال الدين في العالم الإسلامي، يقول المعتدلون منهم إنهم لا يرون التعجّل في إصدار حكم بشأن هذه اللحوم، حتى يعرف مصدر الخلايا الجذعية المصنعة منها، وطبيعة المواد المضافة في التصنيع، وأثر ذلك على صحة الإنسان.

حل ينقذ الإنسان والحيوان والطبيعة

اللحوم الصناعية حماية لطفولة العالم

ظهر بالفعل.. حقا ظهر ـ وإن كان في الطور المختبري ـ أول نوع من الهامبرغر في العالم، منتج من بروتين لحم اصطناعي مشتق من خلايا جذعية للأبقار. ورأى فيه الكثيرون إمكانية أن تساعد هذه الخطوة في توفير البروتين للملايين من الفقراء بأسعار مناسبة.

ولا شك أن هذا الإنجاز يضاف إلى جملة المبتكرات التي قدمها العلم والعلماء للإنسانية بل وربما من أعظمها على الإطلاق، ذلك أن هذا الإنجاز الذي هو في طريقه إلى التحقق والانتشار في السنوات القادمة، سيحل مشكلات الإنسان والطبيعة معا ويقضي على كل أسباب الفقر وحتى الأمراض والاحتباسات الحرارية. ولا نبالغ إن قلنا إن الإنسانية ستتغلب عبر هذا الإنجاز على الكثير من حالات التمايز والخلافات والحروب.. أليست أغلب الحروب ـ الباردة منها والساخنة ـ ناتجة عن معضلة الأمن الغذائي وانحصار الثروة عند الأقلية دون الأغلبية.

وأكد العلماء أن المستقبل القريب سوف يعتمد على إنتاج اللحوم المصنّعة في المختبرات أكثر من مزارع الأبقار، وسوف تسهم اللحوم الصناعية في مكافحة الفقر وحل أزمة الغذاء العالمية نظرا لقلة المراعي الطبيعية التي لا تتناسب مع الزيادة الكبيرة في تعداد سكان الكرة الأرضية، والذي من المنتظر أن يصل إلى نحو 8.9 مليار نسمة بحلول عام 2050.

أما عن موضوع البيئة الذي يمثل الشغل الشاغل لعالمنا اليوم، فقد حذر خبراء بيئيون من أن الطلب المتزايد على اللحوم الطبيعية سوف ترافقه مشكلات خطيرة في ظل زيادة انبعاث غازات دفينة وقلة المراعي، ناهيك عن معاناة الحيوانات، وزيادة الأمراض التي يسببها تناول اللحوم بصورة مستمرة؛ لذلك كان من الطبيعي أن تنشط المختبرات بحثا عن مصادر بروتين جديدة وصحية ومستدامة تتمتع بأقل قدر من الأضرار، وأقل قدر من الدهون المشبّعة.

وأكدت الدراسات أهمية إنتاج اللحوم الصناعية للحد من انبعاثات غاز الميثان الناجم عن روث المواشي وعمليات الهضم والتجشؤ لدى الماشية. ففي دراسة نشرت خلال شهر يوليو 2011 أكد فريق بحثي مشترك بين جامعتي أكسفورد وأمستردام أن نحو 60 بالمئة من انبعاثات غاز الميثان تنتج عن الأنشطة الزراعية وروث الحيوانات وتمثل عمليات الهضم والتجشؤ لدى الحيوانات نحو 17 بالمئة من انبعاثات الغاز التي تضاعفت تركيزاتها في الغلاف الجوي للأرض خلال المئتي سنة الماضية، مما أدى إلى إحداث احتباس مناخي يفوق 17 مرة الاحتباس الناتج عن ثاني أكسيد الكربون. والمخاوف التي من حق الجميع أن يبديها إزاء اللحوم الصناعية هي مخاوف مشروعة تمليها صدمة الاندهاش أمام هذا المنجز العلمي ومستقبل الإنسان الغذائي، لكنها سرعان ما تتبدد إذا علمنا أن هناك ضمانات وتطمينات كثيرة تقدمها التكنولوجيا المتطورة.

اللحوم الصناعية تبشر بمستقبل آمن للفقراء والأغنياء على حد سواء، للإنسان والحيوان والنبات والهواء، وتمنح تناغما لطيفا في الطبيعة

فقد أكد العلماء أن تكنولوجيا النانو(تكنولوجيا الدقة اللامتناهية) سوف تلعب دورا هاما في تغيير أنظمة إنتاج الطعام التقليدية على النحو الذي يجعل المنتجات رخيصة الثمن وآمنة ويزيد زمن صلاحيتها للاستهلاك ويقلل من تكلفة الإنتاج بنسب تتراوح بين 40 و60 بالمئة، كما أشار العلماء إلى أن ظهور منتجات تكنولوجيا النانو مثل مستحضرات التجميل المضادة للتجاعيد والرذاذ المزيل للأوساخ، ما هي إلا مقدمة تبشّر بقرب ظهور الأطعمة النانوية، إذ ظهر في الأسواق العالمية نوع من الورق ينتج باستخدام تكنولوجيا النانو يستخدم لتعبئة وتغليف الأطعمة للاحتفاظ بها طازجة لمدة طويلة، كما تتنافس الشركات العالمية على استخدام تكنولوجيا النانو لإنتاج مادة لها القدرة على العزل الحراري تساوي 8 أضعاف قدرة أفضل مواد العزل المستخدمة حاليا في حماية الأطعمة من تأثيرات الحرارة عليها، فتصل إلى المستهلك وهي في أفضل حالاتها.

اللحوم الصناعية تبشّر بمستقبل آمن للفقراء والأغنياء على حد سواء، للإنسان والحيوان والنبات والهواء، وتمنح تناغما لطيفا في الطبيعة.. تناغم وتعايش سلمي بين كل الكائنات التي تسكن الكوكب “فلا يموت الذئب ولا يفنى الغنم ولا يغضب الراعي”، كما يقول المثل العامي.

ويرى باحثون من مختبر جامعة ماستريخت الهولندية، والذي قام بتصنيع أول برغر، أن هذه اللحوم ستكون أفضل لنا، حيث أن باستطاعتنا التحكّم في مكونات اللحم، على سبيل المثال نسبة الدهون، والذي من شأنه أن يقلل من أمراض حيوانية المصدر وكذلك الأمراض المُعدية التي تنقلها الحيوانات للإنسان.

ويؤكد أكاديميون في علم التغذية أن أحد العوامل الرئيسة في اللجوء إلى اللحوم الصناعية هو تجنب الدهون المشبعة في اللحوم التقليدية، إذ سيتم استبدالها بالأحماض الدهنية مثل “أوميغا 3″. فمن المعروف أن الدهون المشبعة تتسبب بأمراض القلب والسكري فأوميغا 3 الذي يوجد في السمك وبذرة الكتان أفضل خيار كونه يساهم في تقليل الالتهابات، وكذلك تقليل خطورة الإصابة بأمراض القلب والمفاصل.

"لحوم فرانكشتاين" على المائدة

صورة لا تثير الشهية حتما

“نريد لحم بقر يرعى بجبال الألب، وله أجراس رنانة تزيّن رقابه”.. هذا ما قالته أغلبية شملها استبيان أجرته وكالة الأنباء النمساوية مؤخرا حول ما بات يعرف بـ”لحوم من المختبر للطبق”، متمسكة باللحوم الحقيقية التي تعرفها وتعشقها في حين لم تبد إلاّ نسبة 28.51 بالمئة انفتاحها على التجربة.

هذه اللحوم المرعبة وهي تجثم على أطباقنا وقد تواصل نموها وتفاعلاتها في أمعائنا شبّهها متابعون ومهتمون بـ”وحش فرانكشتاين”، بطل رواية المؤلفة البريطانية ماري شيلي، وهو الشاب العبقري الذي اخترع كائنا صناعيا وأراده أن يكون مخلوقا طبيعيا، وحين صار له ذلك تحول الشيء الذي اخترعه إلى وحش حوّل حياته وحياة من حوله إلى جحيم. نعم هذا ما يمكن انتظاره وتوقعه من أطباق المستقبل وهذه اللحوم التي تنذر ببئس المصير.. فلم هذا الجموح نحو مغامرة لا ندري عواقبها؟

ليس الأمر نزوعا نحو السلبية ولا معاداة للعلم الذي خدم ومازال يخدم البشرية، لكن الجانب الأخلاقي لا يمكن تغييبه باسم التقدم والبحث عن حلول لأزمات البشرية.. أليست أزمات اليوم هي نتيجة لحلول ابتدعها الإنسان في مواجهة أزمات الأمس كما كان يدعي؟

لندع الطبيعة تفعل فعلها وتواصل عملها الانتخابي ولنترك الإنسان يتكيّف مع أزماته بتلقائية دون هذا الزج بالفتوحات العلمية نحو ما لا يحمد عقباه. تخيّلوا قطعانا من المواشي تتكاثر دون قصابين وشوائين وطقوس احتفالية في العالم الإسلامي.. تخيّلوا شرائح لحم تباع في الصيدليات ومخابر تحل محل المسالخ وحيوانات تتخذ من لحومها علفا وحياة أخرى موازية للحياة الطبيعية.

إنه بلا شك أمر مرعب، فإذا كانت الأبقار تتمشّى آمنة في شوارع الهندوس، فإن هذا بحكم عقيدتهم التي نحترمها في تحريم أكل لحوم الأبقار، لكن لا مبرر لمشهد كاريكاتيري شبيه بأبقار الهندوس للمواشي في مختلف بلدان العالم بعد إعفائها من الذبح في حال تفشي اللحوم المستنسخة.

أما من الناحية الطبية والعلمية المحضة، فنحن بحكم العادة والطبيعة البشرية، نشك في اللحوم العادية أي تلك التي تنمو داخل المواشي التي ترعى على مرمى عيوننا في المزارع والحقول، فما بالك بتلك الأطباق المشكّلة من خلايا جذعية داخل المخابر المغلقة، والتي تنمو فيها اللحوم المصنّعة بشكل يثير الريبة والرعب.

وكأننا صرنا مخلوقات فضائية ثم إنها ليست جيّدة للصحة، وهذه اللحوم خالية كما يؤكد العلماء من حديد الهيم على سبيل المثال لا الحصر، وهو نوع من الحديد الذي يوجد في السمك واللحوم، ولا يمكن الاستغناء عنه. هذا ما توصلّت إليه الدراسات التي أظهرت أن الاستهلاك المستمر لها قد يؤدي إلى مخاطر صحية كثيرة، وهذه المخاطر في حالات الغش والتلاعب التي لا تغيب عن الضمائر الغائبة، هي حالات ليست أقل كارثية من اللحوم الفاسدة.

النباتيون ودعاة حماية البيئة سيجدون أنفسهم في مأزق أخلاقي، ذلك أنه وبمعاداتهم لقتل الحيوانات سيشرعون لقتل الإنسان من حيث لا يدرون

جدير بالتنبيه في العالم العربي، إلى أن هذه اللحوم المخبرية ذات التركيبات الكيميائية المعقدة ليست من فصيلة تلك الموجهة للنباتيين والمصنعة من مصادر غير حيوانية. وفي هذا الصدد أكد العلماء على ضرورة عدم الخلط بين اللحم الصناعي المنتج في المختبرات واللحم المصنوع من مستخلصات فول الصويا وغيره من بذور النباتات، وهذه المستخلصات غنية بالبروتين النباتي.

وعلى الرغم من التهليل الكبير لهذه التجربة من ناحية انخفاض أسعار التكلفة ومدى مساهمتها في محاربة الفقر، فإن خبراء إنتاج حيواني استبعدوا نجاح هذه المحاولة نظرا للتكلفة الباهظة لعملية استنساخ الخلايا الجذعية بدليل أن إنتاج أول سندويش همبرغر في هولندا كلف أكثر من 380 ألف دولار، فكم يلزم هذه الوجبة الشعبية من الزمن حتى تصل إلى سعر الدولارين وبطون الفقراء؟

قريبا ـ ومع اكتساح اللحوم الصناعية للأسواق ـ سيجد حتى النباتيون أنفسهم في مأزق أخلاقي محرج، ذلك أنه بمعاداتهم لقتل الحيوانات وقنصها، سيشرّعون لقتل الإنسان من حيث لا يدرون، ذلك أن السموم والمواد المسرطنة في هذه الصناعة قد تكون فجائعية ويمسي فيها الإنسان مثل ذلك الذي أراد أن يربح كل شيء فخسر نفسه كما أن أصدقاء البيئة والمشتكين من الاحتباس الحراري بسبب غازات الحيوانات الملوثة، سيكتشفون أن مخابر كثيرة لتصنيع اللحوم ستنتشر كالفطر وتتسبب بكوارث بيئية عديدة، فيصبح هؤلاء كمن يحتمي بالرمضاء من النار.

وأخيرا فإن لعاقل أن يسأل نفسه: لماذا تتهافت كبرى الشركات العملاقة على هذه الصناعة وترصد لها المبالغ الخيالية التي من شأنها إنقاذ البيئة بطريقة أضمن وأكثر أمانا.. هل تقدم هذه الشركات على مثل هذه المغامرة لسواد عيون الإنسانية ورفاهيتها المستدامة؟

12