اللذة المتجددة

الاثنين 2015/08/17

تمثل القراءة بوابة للدخول إلى عالم المعرفة، وتشكل لذّة متجدّدة ومتعة ساحرة لعشاقها لا تضاهيها أي متعة، بحيث أن هناك من يتخيل جنته على أنها مكتبة غنية، كحالة بورخيس مثلا. ولا تكتفي القراءة بالإمتاع فقط بل تتعدّى ذلك إلى كثير من التغيير والإضافة والترميم والإغناء، حتى أنها تصبح باعثا على التجديد والتحديث.

للقراءة دور فعال في تكوين الصداقات وتمتينها. وقد كتب كثير من الأدباء تفاصيل عن علاقاتهم بكتبهم ومكتباتهم وأساليب قراءاتهم.

من هؤلاء الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في كتابه “يوميات القراءة” والذي وصفه أنه تأملات قارئ شغوف خلال عام من القراءة، بحيث أن الكتاب ظل صديقه الملازم له في حله وترحاله، ومؤنسه في وحدته ووحشته، يتحاور معه، ويستعيد لحظات من الماضي برفقته، وينير له دروبا جديدة مع كل قراءة.

يصف ألبرتو مانغويل القراءة بأنها عبارة عن محادثة، وأنّها فعل مريح، منعزل، هادئ وحسّيّ.

وفي تجربته يقرّ مانغويل أنّ الكتابة سابقا تقاسمت لديه بعض هذه الميزات، لكنها في الوقت الحاضر اكتسبت شيئا من صفات المهنة القديمة للبائع المتجوّل أو ممثل الفرجة؛ فالكتّاب يُدعون من أمكنة بعيدة لتمضية ليلة عابرة، وبدلا من الاعتراف بأنّ هناك أشياء غير ذي أهمية فإنّهم يطرون على فضــائل كتبهم الخـاصة.

يعتقد مانغويل أنّ الصراع ينشأ من التوتر الحاصل بين ما يؤمن به البطل وما يعرفه القارئ؛ فقد يرى بطل رواية ما العالم كما يتخيله هو، بينما يعرف القارئ أن هناك عالما قائما بذاته لا سبيل للبطل إلى معرفته. ويجد أننا -كقراء- نقرأ ما نريد أن نقرأ، لا ما كتب المؤلف. بحيث أن الرحلة الأدبية لديه إما مناجاة أو حوار، إما تعقب درب مسافر أو مرافقة بين شخصيتين.

الأميركي هنري ميلر (1891- 1980) يتحدث في كتابه «الكتب في حياتي» عن القراءة والكتب كتجربة ثرية متجددة، حيث يختصر فيه تاريخه القرائي، وكيف أن القراءة شكلت شخصيته وبلورت كينونته، ويشدّد على ضرورة العودة إلى الينبوع الذي تُستقى منه الكتب والحكايات والحكم والعبر؛ وهو الحياة. ويعدّ ميلر قراءاته للكتب ولقاءاته معها كلقاءاته مع ظواهر أخرى في الحياة أو الفكر.

ويجد أن رؤيته لنفسه كقارئ تشبه مراقبة رجل يشق طريقه في الأدغال، ويذكر أن حياته في قلب الأدغال علمته أشياء قليلة عنها، وأنه لم يكن يرنو إلى العيش في الغابة وإنما يرغب في الخروج منها، كما يعتقد أنه ليس من الضروري السكن في غابة من الكتب أولا، بل يجب أن تكون الكتب مساعدة ودليلا في شق الطريق عبر البرية.

كاتب من سوريا

15