اللسان والسلطان

بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحيانا، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية.
الأربعاء 2018/03/28
الاقتراب من الكتاب المقدّس مثّل إخلالا بمبدأ طبقية اللغة وقداستها

لا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوما حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدّث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصا معينين ضحايا نزاع لغوي متعدّد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفة تماما عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّء.

هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين إلى هذا الواقع اللغوي، أتمثل هنا أساسا تجربة الإمبراطور كارلوس الخامس حفيد فيرناندو وإيزابيلا من أمه خوانا، وسليل آل هابسبورغ من أبيه فيليب، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدّسة، وإيطاليا وفلاندرز.. لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها.

لقد مثّل نموذج الملك الذي لا يتحدّث لغات شعوبه، إلاّ على نحو سيء، لهذا أتفهّم انشغاله الكبير بمنع استعمال لغة إضافية في إمبراطوريته، كان الأول الذي أصدر مرسوما يقضي بحظر الكلام والكتابة بالعربية في التواصل بين رعاياه المورسكيين، لم يكن يطيق رطانة إضافية تُضاف إلى برج بابل الذي استوطن جمجمته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحيانا، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة، فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات، يبدو شبيها بتنويع القصور والحدائق والأفرشة والألبسة والخيول والملاعق الفضية والذهبية، هو لحاء طبقي أيضا، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق.

مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي إلى الجذور والحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون والعاطلون، يتجلى بوصفه امتيازا سلطويا، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظلا آخر للهالة المعقّدة للسلطة، ومزيجا من الغموض والفخامة والقداسة.

لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجّهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدّس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، ولم يكن مترجما لأي لغة شعبية، كان محصورا في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثّل الاقتراب منه دوما إخلالا بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلاّ ابتذلت معها هيبة السلطان.

15