اللص الصغير

الثلاثاء 2017/09/05

لا توجد عائلة من العوائل على الكرة الأرضية لا تملك ذاك الشخص المهذب اللطيف الذي يتطوع ودون أي ضغوط خارجية أو مؤثرات جانبية لأن يأتي على الأخضر واليابس ويقود حملة نظافة داخل المطبخ الأسري.

كما أنه شديد المهارة في التصدي للهجمات المباغتة ومحصّن ضد قذائف الدعوات الحانقة، ولا تؤثر فيه صواريخ الألسن الملتهبة ولا سنّ الكلمات الجارحة.

يواصل أكل وشرب ما لذ وطاب دون رادع أخلاقي ولا ضمير إنساني. أظن أن الكثيرين تعرفوا على ملامح هذا الشخص الذي غالبا ما يكون آخر العنقود، وهو طبعا من ينوب كل أفراد عائلته عن طواعية على القيام بتذوق كل المخزون الأسري واختبار هدايا الضيوف والأهل والأحباب.

ولا يمكن اعتبار هذه الظاهرة قسرا على عائلة دون أخرى أو مجتمع من المجتمعات دون آخر، فهي عامة ومتفشية ومستعصية على العلاج والاجتثاث من الجذور. ومع ذلك لا بد من التطرق إليها والبحث بتعمق في أسبابها ومسبباتها، فما يبدأ صغيرا مثيرا للضحك قد يتحول إلى مرض عضال يتجاوز عتبات باب المطبخ العائلي إلى التلصص من نوافذ الخلق وسرقة متاعهم.

يبدأ المشهد العائلي الطبيعي بتربية الأبناء على التحلي بالصبر إلى حين اجتماع كل أفراد الأسرة على مائدة طعام واحدة واقتسام ما زيّنت به من الأصناف بالعدل، لكن بعض الأطفال يعانون خللا هرمونيا قد يكون مرجعه الإفراط في التدليل أو تقليد تصرفات من هم أكبر منهم سنا أو يعود إلى تحريض من أحد أولياء أمورهم على أخذ ما زاد عن حاجتهم من مأكولات في منازل من يذهبون إلى زيارتهم.

وتكمن المشكلة الحقيقية في أن ما يخرج عن المألوف من أفعال أو أقوال الطفل يقابل من الأهل في العادة بجعله مسرحا للتسلية أو الضحك بدل الإسراع في تقويمه والقضاء على ما شذّ من سلوكه.

وتستمر العائلة على حالها فيكبر صغيرها وتكبر معه أنانيته في أخذ ما ليس من حقه والاستحواذ على نصيب غيره من أكل وشرب وملبس وغير ذلك من الأغراض العائلية، ويكبر حنق أسري يلاحقه أينما حط الرحال ليس لتخمين بأن يتحول هذا اللص الصغير إلى الاقتتات من سلال الآخرين، بل لأنه أفرط في الاستيلاء على متاعهم.

برأيي من ينشأ على مبدأ فتح باب الثلاجة على مصراعيه دون تفكير في مصير الآخرين، بإمكانه أن يشق طريقه على أكتاف الكادحين وأن يطارد القطط الضالة ويقيم مملكته على أنقاض حاوياتها.

الكل يستنكر الأخبار الاجتماعية والفضائح الأسرية ويقرأ بشغف العناوين المضلّلة، أخت تعاشر زوج أختها أو صديقتها الحميمة تخطف منها عريسها ليلة الزفاف أو مواطن صالح يحمل طبقا مليئا بكؤوس طفحت من ثقل ما زج بها من تحركات وسكنات موظفي الشركة إلى مديرها المحترم، وهذه الأمثلة كثيرة ولا تكاد تخفى على أحد.

لن أشدد على أن مخططات صغير العائلة لسرقة أغراض إخوته وأبويه قد تحوله مستقبلا إلى مجرم يتسكّع بحواري المجتمع ويملأ جيوبه وعيونه من عبرات العذارى وتنهدات المنسيين، بل أردت أن ألمح إلى أنها قد تكون سببا من الأسباب الأساسية والرئيسية في تشبّع بعض عناصر المجتمع بسلوكيات وأخلاقيات منبوذة تفوح من كل ثناياها ريح الإجرام والأنانية، وعلى الكثير من العوائل النظر إليها بجدية أكبر بدل استظرافها والاستهتار بها.

صحافية من تونس

21