اللطفاء.. أشخاص يمدون يد المساعدة لمن لم يطلبها

كتم إساءة الآخرين والتغاضي عنها يعرضاننا لضغوط نفسية، وتعارض الصراحة مع محاولة إظهار اللطف يسبب فشل العلاقات.
الأربعاء 2018/08/01
تودد لا يعكس النوايا بالضرورة

يبالغ الأشخاص اللطفاء في ابتساماتهم وأحيانا يربتون على أكتافك عند الحديث عن أي شي وكل شيء، يتعاطفون مع القصص الحزينة التي يسمعونها عن أناس ربما يبتعدون عنهم بمسافات مكانية وزمانية هائلة، يتوددون للضعيف والمحتاج بطريقة سمجة لا تعكس نواياهم بالضرورة، نواياهم التي تستفز حيرتنا وأسئلتنا الكثيرة التي نطرحها بصمت فلا نجد لها إجابة مرضية؛ ترى لماذا يتصرف هؤلاء بهذه الطريقة؟ وأي حقائق تكمن تحت هذا الغطاء الودي المتسامح؟

يرى متخصصون في علم نفس الشخصية، بأن هؤلاء قد يعانون من بعض العوارض النفسية قد لا تتضح أعراضها حتى لأصحابها أنفسهم وقد تموه بأفعالهم هذه فتغدو عصية على التفسير.

يمتلك الدكتور بوب تايبي؛ 40 عاماً من الخبرة في مجال علم النفس السريري وهو مؤلف أميركي لأكثر من 10 كتب والمئات من المقالات في هذا المجال، ويرى بأن هؤلاء وربما تكون أنت واحداً منهم، ليسوا بخير على الإطلاق، وهذا اصطلاح مطاطي بالتأكيد ويتحمل أكثر من تفسير هذا لأن الانخراط اليومي الكامل في المجتمع من شأنه أن يحمّل الأفراد طاقات سلبية نتيجة امتصاصهم للطاقات التي تصدر عن الآخرين في محيطهم الاجتماعي الذين يجدون تشجيعاً مبطنا من هؤلاء (اللطفاء) للانطلاق في بكائياتهم أشواطاً بعيدة المدى. وهذا سيؤدي حتماً إلى مجموعة من الانتكاسات النفسية كالقلق والاكتئاب النفسي.

أكثر من هذا، فإن الإصرار على لعب دور التربيت على كتف الآخرين أو الادعاء بذلك، من شأنه أن يضع الأشخاص اللطفاء تحت ضغط وإجهاد نفسي كبيرين ما يدفعهم للتنفيس عن هذا الضغط بالإساءة إلى المقربين منهم خاصة الأطفال، وهم الحلقة الاجتماعية الأضعف أو الإساءة إلى أنفسهم بطريقة غير مباشرة كالتقصير في علاقاتهم الأسرية والعمل.

ويرى تايبي الأمر من زاوية أخرى مناقضة تماماً لفكرة ادعاء الطيبة واللطافة؛ إذ أن بعض الناس يمارسون جهداً كبيراً للضغط على أنفسهم من أجل الظهور بمظهر جيد وطيب ولطيف بغير اعتدال أمام الآخرين، وفي هذا ظلم كبير لأنفسهم.

وأضاف موضحا “حتى إذا ارتكب الطرف المقابل خطأ ما في حقهم ثم أصرّ عليه وتكبّر بأفعاله، فإنهم ربما يلقون باللائمة على أنفسهم ويفسرون سلوك الآخر باعتباره رد فعل على شيء ما صدر عنهم، حيث أنهم لم يحسنوا التصرف وما إلى ذلك من أفكار غير منطقية، إلى ما لا نهاية من سيناريوهات تقريع الذات وتعنيفها، في الوقت الذي يستغل فيه الطرف الثاني ردود أفعالهم الهادئة على أنها استسلام وقبول بالواقع مهما كان على علاّته”.

وفي الحقيقة، فإن الآخرين لن يقدروا استراتيجية ضبط النفس التي نتبناها على الدوام من أجل تهدئة الأمور وتلافي التصادم، في سلوك معاكس لما يتوجب علينا فعله في الواقع ليسجّل موقفنا الواضح ورفضنا لتصرفاتهم وأخطائهم.

بعض الناس يمارسون جهدا كبيرا للضغط على أنفسهم من أجل الظهور بمظهر لطيف وفي هذا ظلم كبير لأنفسهم
 

وبدلاً عن ذلك، فنحن نسمح لهؤلاء بأن تكون لهم الأولوية في فرض منطقهم فنعرض أنفسنا لضغوط نفسية كبيرة مصدرها كتم إساءة الآخرين والتغاضي عنها حتى نبدو لطيفين ونحافظ على صورتنا المثالية في محيط المجتمع الذي نعيش فيه.

إلا أن الآخرين قد لا يقدرون حسن نوايانا هذه ورغبتنا في تهدئة الأمور، فيبادرون إلى إصلاح أنفسهم ومحاولة تلافي ارتكاب الأخطاء ذاتها في كل مرة.

كما لا يمكننا أن نتوقع أن يستدعي تسامحنا وظهورنا بمظهر التسامح واللطف أن يترك أي أثر إيجابي لديهم وبالتالي، سنخسر الكثير على حساب استقرارنا النفسي.

ويمكن أن تصل معاناتنا إلى أقصى حدودها كلما قدّمنا تنازلات أكثر في سبيل الحفاظ على مظهر اجتماعي لا نحصد من ورائه سوى المزيد من القلق والاكتئاب والأزمات النفسية.

وبمجرد تخلصنا من الضغوط تدريجيا سنعود إلى سيرتنا الأولى لتحمّل أعباء خياراتنا المستسلمة، ثم سرعان ما نعود مرة أخرى إلى موقعنا في دائرة الضغوط النفسية المحكمة وهي الدائرة التي ستضيق علينا ثانية ورابعة.

ونحاول في بعض الأحيان السيطرة على ردود الأفعال العدوانية للآخرين، ومحاولاتهم المستمرة للتنمّر علينا واستغلال طيبتنا ولطفنا لتعزيز أنانيتهم، وقد نفعل هذا عن طيب خاطر لرغبتنا في تحييد عدوانيتهم بالتدريج.

وقد يدفعنا التنازل الأول إلى التنازل المستمر حين نمنح للآخر الفرصة لقراءة أفكارنا مسبقاً وبالتالي استغلالها كنقاط ضعف يمكنهم من خلالها اختراق عفويتنا وممارسة الضغوط النفسية علينا، مستجيبين لردود أفعالنا التي اعتادوا عليها منذ البداية، ولعل أهمها شعورنا بالذنب وخوفنا من أن نبدو مقصرين في استشفاف أسباب تصرفاتهم باعتبارها نتيجة ربما لسلوك غير مناسب صدر عنا، وهذا بالطبع لا أساس له من الصحة.

أما في ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية بالأشخاص في الحلقة المقرّبة جداً، فإن الطرف اللطيف هو الذي يدفع في العادة ثمن استمرار العلاقة ومحاولة رأب أي صدع يمكن أن يشرخ سطحها؛ إذ أنه الطرف المرشح لتقديم التنازلات والتغاضي عن مساوئ شريكه خاصة في العلاقات العاطفية، في حين يبدو بأن الطرف الثاني في العلاقة مستمتع بأداء دوره بأنانية مطلقة بصرف النظر عما قد يسببه هذا من أذى وجرح لمشاعر شريكه.

وأكثر من هذا، فإن الأمر يبدو غير مثالي بالمطلق إذا ما تبنى طرفي العلاقة سلوك الطيبة وحرصا على أن يبدوا لطيفين تجاه بعضهما البعض في جميع الأوقات، فهذا النوع من العلاقات يفتقر إلى العمق والصراحة إذ أن مصارحة الآخر بما نشعر به من دون رتوش يتعارض مع كوننا لطفاء على الدوام، لأن التعبير عمّا نشعر به لن يكون بالضرورة أمراً مريحاً في نظر الآخر وقد لا يتوقع أن نقول أو نفعل ما يسرّه فالعكس هو الصحيح، وحين تتعارض الصراحة مع محاولة إظهار اللطف والتسامح فإن هذا النوع من العلاقات مصيره الفشل.

21