"اللعبة الأخيرة قبل فرض القواعد" بوستر معدني للأب القائد

الخميس 2014/09/11
تماثيل القاتل و صوره تعم المدن وعيونه الغائبة تدعي أنها تراقب الجميع

دمشق - يأخذنا علاء رشيدي إلى عوالم خفيّة، عوالم يتراقص فيها الديكتاتور مع الثائر، حيث تنهدم فيها مقولات الاستبداد، وتنبعث مقولات الثورة، لترسم عوالم فائقة الواقعية، تتمحور حول الإنسان والخيال الذي يمشي جنبا إلى جنب مع الواقع المتأزّم.

في المجموعة القصصية الأولى للكاتب السوري علاء رشيدي، “اللعبة الأخيرة قبل فرض القواعد” الصادرة عن دار أطلس في بيروت 2014، نقف أمام ثماني قصص ترسم ملامح سوريا في خضم التغيير، شخصيات ما زالت تحاول استيعاب ما يحدث وتحديد موقفها الجديد مما حولها في ظل هول حدث التغيير، ضمن إطار تتنوع فيه الأساليب السردية لكل حكاية لترسم إطارا متقنا بعيدا عن التفنن ومحاولات البهرجة.


الواقع والخيال


لا مجانيّة فيما يكتبه رشيدي، فالنصوص مسبوكة بصورة لا تجعلها تغرق في الثرثرة، حيث تتالى راسمة خيوط الحبكة والشخصيات بشغف يورط القارئ للمتابعة حتى النهاية، إذ يختلط الواقعي مع الخيالي في علاقة مواجهة مع مؤسسات القمع القائمة بشخوصها وخطاباتها، إذ أن الشخصيات لا تتصرف بانفعالات سطحية، فهي ليست غاضبة تعميها التغيرات، بل تنتج كل أفعالها عن وعي مسبق، فنجدها تستلهم من الواقع المتغير أفكارها وأحكامها.

وبالرغم من أن السياقات واقعية وتوثق بصورة ما الحدث السوري والمدن الثائرة التي تدور فيها أحداث القصص، إلا أن الخيال يجد طريقه إليها، كما في قصة “جوان العميل الثلاثي في مهمة وحيدة”، التي تتحدث عن جوان كاتب السيناريو الكردي المقيم في باريس، والذي من المفترض أن يذهب إلى الشمال السوري لتوزيع الكاميرات، وتوثيق مجزرة محتملة هناك، وأثناء رحلته يختلط الواقع مع هلوسات الكاتب، ليرسم ملامح جديدة للرحلة، تجعلها أقرب لمغامرة بوليسية كتلك التي يكتبها جوان.


الانتصار بالبراءة


نلاحظ طغيان حضور الجسد في قصص المجموعة، فهو الحقيقة والمعيار لما هو حقيقي من حوله، فالجسد موجود بين الصفحات بكافة تحولاته، ميتا، حيا، شبقا، ثائرا، بل حتى على الشاشات وفي الصور. وتبدو الشخوص على ارتباط شديد بذواتها، وتعبّر عن رغباتها حتى الحدّ الأقصى.

نصوص رشيدي مسبوكة بصورة لا تجعلها تغرق في الثرثرة بحبكة ترسم شخصياتها بشغف

إن اللغة الشعرية التي يقدّمها رشيدي تصعّد الجرعة الانفعالية، وبالأخص عند وصف مشاهد الاغتصاب في قصة “الضحية تنتصر بالبراءة”، حيث تتفعّل علاقة الجسد- النص لدى القارئ لتنتقل الشحنة العاطفية إليه، في ورطة لا بدّ له من الاستمرار في القراءة للتخلص منها.

ينسحب ذلك على صور المجازر والدماء والاختفاء القسري التي تنقلها القصص، كل واحدة من زاوية مختلفة، كل منها يرسم بعدا يحاول إعادة القيمة للجسد في ظل الاغتيالات التي يتعرض لها، كما تحاول المجموعة التقاط الخفايا النفسية للشخصيات والتحـولات التي تصيب المعتقل مثلا.

ففي قصة “أبراهة.. المعتقل الصوتي”، نرى إبراهيم يكتشف الجانب الأنثوي من نفسه وعلاقته المقموعة مع جسده، بالإضافة إلى كشف الحيوات السريّة التي تحكم الأفراد، ودور الثورة في سوريا بتخليصهم من كل القيود وإعلاء أصواتهم بحقوقهم المهدورة.

تطرح المجموعة تساؤلات حول التوثيق ووظيفته، وتؤكد على أهمية الصورة في توثيق ما يحدث في سوريا، سواء على أيدي الهواة أو المحترفين، فالصورة اختزان للحظة إنسانية، تبقى في الذاكرة للأبد، وثيقة إدانة للقاتل أينما كان، آلاف الصور لا بدّ أن تبقى محفوظة، فكما أن الضحية لا تنسى قاتلها على القاتل ألّا ينسى ضحيته، أن تحدّق فيه للأبد، فتماثيل القاتل و صوره تعمّ المدن وعيونه تدّعي أنها تراقب الجميع، لذا عيون الضحايا في الصور عليها أن تبقى محدّقة في وجه قاتلها.

الصورة الأسطورية للديكتاتور محور السرد القصصي عند علاء رشيدي


لعبة وجودية


تطرح القصص مشكلة وجودية تصيب الناشطين العاملين على الأرض في الثورة السورية، حتى أولئك الموجودين خارجها ألا وهي مشكلة الاسم، الكثيرون اضطروا إلى استخدام أسماء وهمية تخفي حقيقتهم وحقيقة ذويهم، خوفا من بطش نظام الأسد.

الاسم الوهمي يطرح إشكالية بالانتماء وانفصام يصيب البعض، إذ يعيش ذوو الاسم الوهمي حياتين متناقضتين، الأولى خاضع فيها لسلطة الاستبداد، والثانية تحت ستار اسمه الوهمي الذي يكسبه حرية، تسمح لخياله بالتحليق وتحديد ماهيته كما يريد.

لكن المشكلة تكمن في أنه يبدأ من الصفر، كل ما راكمه من خبرات في حياته تختفي مع اسمه الجديد، ليبدأ بعدها بالتأسيس لحضور جديد. في حالة الثورة السورية، الحضور الجديد قائم على المواجهة والوقوف في وجه سلطة القمع، وإثبات للحضور الثوري، الذي ما زال الشك يراود العاملين فيه، بسبب عدم وضوح معالمه بدقة.

يشكل الحضور الذي تمتلكه الصورة الأسطورية لحافظ الأسد وابنه محورا أساسيا في المجموعة، فالشخصيات، وبالأخص في قصة “بوستر معدني للأب القائد”، تجد أنفسها في وجود شخص يحمل الصفات كلها، ومحاولة تهديم صورته تعني التغلغل في كافة جوانب الحياة وشطبه منها. الأمر ليس بالسهولة المتوقعة.

فهو هوس للبعض وسطوة خوف للبعض الآخر، وبطشه لا يمكن إنكاره، الغياب الذي يحكم وجوده جعل الجميع في حرب ضدّ ما هو قائم “منذ الأزل”، ولا بدّ من إعادة تكوين للذات بصورة جديدة بعيدة عن وجوده المستفحل في كل مكان. يلعب الخيال دورا مهما في “اللعبة الأخيرة قبل فرض القواعد”، إذ تنعكس هواجس الشخصيات وتخيلاتها على الواقع بصورة تجعله “حقيقة درامية” أكثر منه “حقيقة واقعية”.

فالرجال الآليين والبيوت الكرتونية المتطايرة والتهيّؤات التي تحدث للشخصيات كلها، تحضر على أنها حقائق، وتكمن براعة الكاتب في قدرته على جعلها منطقية، ومقبولة بالنسبة للقارئ الذي لا يستهجن وجودها، بل تسحره و تقوده ضمن ألاعيبها، في علاقة قائمة على المنطق السردي المتماسك لا على الإقحام والابتذال.

15