اللعبة الإيرانية انتهت

انتفاضة أكتوبر الشبابية تخطت المطالب المعيشية ولم تعد تقبل بأقل من تغيير النظام ولذلك لم يعد أمام الطبقة الحاكمة في العراق سوى الاستسلام والرحيل.
الثلاثاء 2019/11/05
شعلة الانتفاضة تتحول إلى ثورة حقيقية

محاولة تغيير معادلة التاريخ استنادا إلى وقائع مرت عليها قرون طويلة لا يمكن أن تتحقق لمجرد رغبات جماعات سياسية تعمل باتجاه معاكس لزخم حركة التاريخ نحو المستقبل.

هذا ما حصل للأحزاب التي رفعت الشعارات الطائفية “الشيعية” في العراق قبل عام 2003 استنادا إلى نظرية استوردتها من مرجعياتها المذهبية في طهران بعد عام 1979. وتقوم على أن هناك طائفة حاكمة اضطهدت طائفة محكومة ومقموعة سياسيا.

تلك النظرية كانت تسعى للوصول إلى الحكم باسم الطائفة المظلومة ولا تستند إلى أي حقائق. فالحاكم المقصود صدام حسين، كان يضطهد معارضيه السياسيين أو الذين يتوقع منهم التآمر على سلطته دون النظر إلى منبتهم الطائفي.

إذن كان الهدف الذي أقنعوا به اليمين الأميركي هو التمهيد لحكم “الطائفة الشيعية” في العراق. وقد تحقق لهم ذلك منذ عام 2004 حين تأسست أول حكومة عراقية برئاسة إياد علاوي في ظل سيادة الحاكم الأميركي بول بريمر.

ورغم الخلفية الليبرالية لعلاوي، إلا أنهم تعاملوا معه على أنه “شيعي” ثم استبدلوه بعد عام بحاكم من أهل “الدار” حتى يؤدي الدور كاملا وهو إبراهيم الجعفري، الذي أسرع في إنجاز مقدمات هيمنة طهران التي كانت تتربص بالعراق شرا منذ هزيمتها أمام العراقيين في حرب الثماني سنوات التي انتهت عام 1988.

كان الولي الفقيه يعلم أن تطويع العراق وإخضاع شعبه ليسا بالمهمة السهلة، فهو كفقيه يعرف معادلة صراع المرجعيات العربية والفارسية، ومن الصعب إخضاع العراقيين خصوصا أنهم يعتزون بمرجعيتهم في النجف.

منذ ذلك الحين، لم تلتفت الأحزاب التي حكمت عبر انتخابات مزورة، إلى وطنها ولم تبدأ أي مشروع للتنمية والسلم الاجتماعي، بل لجأت إلى أسلوب القمع واستثمار السلطة وإمكانيات الدولة المالية والعسكرية والأمنية في أدلجة الطبقات والفئات المنتفعة للترويج لما يسمى “ولاية الفقيه”.

وسخرت جهودها لتكوين كتائب وفصائل مسلحة موالية لطهران، نفذت حمامات الدم ضد العرب السنة. وكانت تنفذ مشروعها بعلم المحتلين الأميركان ورعاية قواتهم.

ويبدو أن إيران حاولت أيضا استثمار مرحلة ظهور تنظيم داعش من أجل تعزيز مواقع أتباعها النشطين في مواقع المسؤولية الحكومية، لكن المفاجأة أن مرحلة داعش أظهرت بوادر انحسار المشروع الإيراني الخبيث في العراق وسوريا ولبنان.

فالغطرسة والتعالي الإيراني على العراقيين والعرب جعلاهم يتمادون في تشجيع النهب والسرقة في بغداد، طالما كان ذلك يؤدي إلى وصول نسب كبيرة منها إلى جيوب طهران.

كما أن النظام الإيراني منع جميع الفرص أمام المخلصين العراقيين للعمل في مجالات التنمية وإعادة الحياة إلى المصانع والمزارع العراقية، لكي يظل البلد محتاجا للبضائع الإيرانية الرديئة وموادها الغذائية التي لم تكن قبل ذلك قادرة على منافسة المنتجات والمحاصيل العراقية.

لكن غباء طلاب في الحكم في بغداد وأسيادهم في طهران، منعهم من إدراك أن الحراك الشعبي خلال السنوات الماضية للمطالبة بالخدمات، يمكن أن يتحول بسبب الإحباط إلى انتفاضة شبابية تهز عروشهم، وهو ما حصل فجأة وبلمحة خاطفة.

هكذا تفجرت الانتفاضة في ميدان التحرير في بغداد وامتدت إلى كربلاء ومعظم مدن الوسط والجنوب. وكلما أوغلوا في الحل الأمني الإجرامي، تصاعدت شعلة الانتفاضة الشبابية لتتحول إلى ثورة حقيقية لم تتمكن المنظومة السياسية من مواجهتها.

واتسعت عناوين الانتفاضة لتصل إلى إسقاط النظام القائم، مستمدة قوتها من كونها وطنية مستقلة. وقد عجزت السلطات عن تعطيلها رغم العنف المفرط في مواجهتها، والذي أدى لسقوط المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى.

شعر نظام ولي الفقيه بالخطر، فدخل المنازلة السياسية عبر تصريحات خامنئي، التي وصفت المتظاهرين في كل من لبنان والعراق بـ”المشاغبين”، الذين ينفذون الأجندات الأميركية والصهيونية والسعودية.

وجاء ردّ الشباب الكربلائي موجعا، حين سحق صور خامنئي تحت الأقدام. وظهر شيخ بصراوي على شاشات التلفزيون ليطالب خامنئي بالرحيل عن العراق. وفي كل يوم وفي كل ساعة تزداد مواقف العراقيين الشباب صلابة وعنادا في مواجهة السلطة السياسية ومطالبتها بالرحيل والتمهيد لنظام جديد وفق آليات مدنية.

لم تتمكن أساليب البطش الدموي من ردع الشباب عبر القنابل المسيلة للدموع السيئة، التي توجه إلى رؤوس الشباب وصدورهم فتقتلهم وعبر نشر القناصين الذين قتلوا المئات من الشباب بعمر الورود.

النقطة الجوهرية في انتفاضة أكتوبر الشبابية هي أنها تخطت المطالب المعيشية، التي كانت ترفعها التظاهرات السابقة. ولو كانت الطبقة السياسية الحاكمة تمتلك الحد الأدنى من الفطنة السياسية لاستجابت لتلك المطالب وأغلقت أبواب النار التي انفتحت الآن بقوة ولن تنغلق بوجه الفاسدين.

وجدت المنظومة السياسية ومؤسساتها في السلطات الثلاث نفسها في حيرة وارتباك ومأزق سياسي، لا تحله دعوات بائسة لتغيير النظام من برلماني إلى رئاسي أو دعوة رئيس البرلمان لتنفيذ توصيات المرجعية “الشيعية”.

لم يعد هناك من صوت لرئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، المسؤول الأول عن سقوط أكثر من 250 شهيدا وأحد عشر ألف جريح. كما تبخرت التصريحات العمومية الإنشائية التي أطلقها رئيس الجمهورية برهم صالح.

النقطة الجوهرية الثانية التي حصلت في هذه الانتفاضة هي المواجهة المباشرة بين شعب العراق وخصوصا أبناء الشيعة في الوسط والجنوب وبين إيران حين دخل خامنئي المعركة ضد شباب العراق.

ويتسارع يوما بعد يوم انهيار أعصاب قادة النظام الإيراني في تعاملهم مع شباب شيعة العراق، حيث وصفهم “كرماني” خطيب جمعة طهران بوقاحة بأنهم “شيعة الإنكليز” لأنهم لا يطيعونهم ويرفضون أن يكونوا عبيدا لهم وأدوات لمشروعهم التوسعي.

ويظهر ذلك حجم الشرخ الذي لا يمكن معالجته بعد اليوم، ويؤكد ما نقله أسير عراقي أمضى عشرين عاما في سجون إيران، عن أحد المعممين الإيرانيين في أول يوم لوقوعه في الأسر، قوله “إن شيعة العراق أنجس من سنة إيران”.

ولهذا جاء الردّ الموجع من شباب كربلاء والنجف والبصرة والناصرية والديوانية وبغداد برفع شعارات “إيران برّة برّة بغداد تبقى حرة” وفي الحملة الحالية التي ينظمها الشباب الثائر لمقاطعة البضائع الإيرانية والعصيان المدني.

كما سحبت مرجعية النجف من تحت أقدام الإيرانيين مشروعهم ولعبتهم حين طلبت منهم ومن القوى الدولية رفع أياديهم عن العراق. كما رفعت الغطاء عن الأحزاب الحاكمة التي طالما استظلت بعنوان المرجعية، التي رفضت أن تكون غطاء لجرائم قتل العراقيين. لم يعد أمام الطبقة الحاكمة في العراق سوى الاستسلام والرحيل. فاللعبة انتهت!

8