اللعب بأعشاش الدبابير

الوسطية الحميدة التي تميز الإسلام الشعبي في تونس هي مهددة اليوم بالزوال ومرشحة للانقلاب إلى نقيضها حين يأتي من يستفزها بكل ما من شأنه أن يوقظ روح الفتنة فينهض عندئذ أصحابها غاضبين ومحتجين باسم الذود عن قيم الدين والمجتمع.. ونخسر بذلك أصحاب الإسلام الشعبي لصالح أصحاب الإسلام السياسي.
الثلاثاء 2018/08/14
تهييج كان يمكن تفاديه

لا يختلف اثنان في أن التنقيحات الدستورية وسن القوانين التي تخدم قضايا المساواة والحريات، هي أمور تهلل لها الفئات المتنورة والأوساط الحداثية، كما أنها ترضي الجهات الغربية، لكن هذه التطويرات التشريعية لا تعني الفئات الفقيرة والمسحوقة في شيء، ذلك أنها ليست أكثر من حبر على ورق أمام الأولويات المعيشية والمستحقات الاجتماعية الأخرى.

ماذا يعني قانون المساواة في الميراث دون وجود إرث من أساسه؟ إنه لنوع من العدمية أن يتساوى الرجل والمرأة في حق غير موجود، وتغيب أسباب ووسائل تحصيله مثل القول بأحقية التملك أو الزراعة والإعمار في كوكب المريخ.

بعض القضايا الواردة في تقرير الحريات الفردية والمساواة، المثير للجدل في تونس، تأخذ طابعا استفزازيا في مجتمع محافظ يشكل الدين فيه فضاء اجتماعيا وثقافيا بل مرجعية لغالبية النشاطات البشرية وإن كان بصورة “متونسة” تعطي نوعا من الخصوصية ذات الطابع الاحتفالي والفولكلوري.

هذه الوسطية الحميدة التي تميز الإسلام الشعبي في تونس هي مهددة اليوم بالزوال ومرشحة للانقلاب إلى نقيضها حين يأتي من يستفزها بكل ما من شأنه أن يوقظ روح الفتنة فينهض عندئذ أصحابها غاضبين ومحتجين باسم الذود عن قيم الدين والمجتمع.. ونخسر بذلك أصحاب الإسلام الشعبي لصالح أصحاب الإسلام السياسي.

حتى الديمقراطيات العريقة في أوروبا ما زالت إلى حد الآن تقف بحذر شديد أمام بعض المطالب التي تعتبرها مشطّة أو مخالفة لمبادئ الأسرة وجملة القيم الروحية والاجتماعية والأخلاقية فتسمح لأصحاب تلك المطالب بالتظاهر والتجمهر بشكل شبه علني، ودرءا للعين كما يقال، ولكي لا تتهم هذه النظم بالتنكر للقيم الديمقراطية والعمل ضد دساتيرها ومواثيقها.

مراقبون للوسط الحقوقي والمجتمع المدني في تونس يصفون غلاة المطالبين بالحريات الفردية والمساواة في تونس بـ”مراهقي الديمقراطية ” لأن هؤلاء بالغوا في مطالبهم إلى حد الشطط والاستفزاز عبر إيقاظ كل ما هو نائم من الحريات الصغيرة والكبيرة، العادية والشاذة، حتى أنهم يصنفون بعض الأهواء والنزوات المنسية والمهملة والغريبة في خانة الحريات الفردية التي “بدونها يهلك المجتمع وتستحيل الحياة”.

تقول العامة “كل شيء في وقته حلو” فليس من الحكمة أن نتحدث عن فوائد تناول الكافيار في بلد يشقى أهله في تحصيل رغيف الخبز كما أن اختيار التوقيت يثير أكثر من سؤال، وفي الاتجاهين السلبي والإيجابي، إذ في الحالة التونسية التي تعاني من احتقان سياسي وشعبي كبيرين، يطرح السؤال نفسه: لماذا الآن، والتحضيرات المبكرة لانتخابات 2019 قد بدأت قبل أوانها؟ وتحصن فريق بشعارات حقوقية هي في مجملها لا تضيف شيئا لمنجز تشريعي كان قد تم منذ عهد الزعيم الحبيب بورقيبة في قانون الأحوال الشخصية، وفي المقابل، تحصن فريق آخر خلف شعارات الذود عن الدين والقيم الاجتماعية، وكأنما المجتمع التونسي قد اعتنق الإسلام في عهده، ولولا وجود هذا الفريق لكان الناس في ضلال مبين.

وبين هذين الفريقين المزايدين بشعار يشبه عملة ذات وجهين، يتهاوى المخدوعون والمغفلون، و”تضيع الطاسة” كما تقول العامة، ونعلم بعد فوات الأوان أن الأمر مجرد “اتفاق على الخلاف”، واستثمار في وضعية المرأة التي مازالت تعاني قسوة العيش مع زوجها وأخيها وابنها وأبيها أي أن المرأة والرجل متساويان فعلا، ولكن في الفاقة والحرمان والتهميش.

الزعيم بورقيبة الذي صارت تزايد باسمه جميع الأطراف بما في ذلك الإسلاميون عندما يحاججون خصومهم من حزب نداء تونس أو غيرهم من الليبراليين، هو نفسه الذي اعتمد سياسة اختيار التوقيت المناسب لإطلاق موضوع حرية المرأة، وسبّق عليه موضوع الكفاح الوطني ضد الاستعمار فيما يُعرف بسياسة المراحل التي اشتهر بها بورقيبة.

12