اللعب في الأماكن المفتوحة ينمي وعي الطفل بجسده

يمثّل اللعب عنصرا مؤثرا في مرحلة النمو لدى الأطفال، خاصة اللعب في المساحات المفتوحة مع الأصدقاء خارج المنزل، ما من شأنه أن يطور القدرات والحواس المختلفة لدى الطفل، ويحسّن من نموه الطبيعي، بمعدلات أفضل من أقرانه القابعين داخل المنزل مع الآباء.
الاثنين 2016/01/11
المبالغة في حماية الطفل تضره أكثر مما تنفعه

كشفت دراسة أجرتها الدكتورة نجيلا هناسكوم، المتخصصة في العلاج الوظيفي والبرامج القائمة على الطبيعة بجامعة ميشيغان، عن أثر عدم كفاية وقت اللعب في المساحات المفتوحة على التطور الحسي للأطفال، أن قدرات الأطفال الذين يحصلون على وقت كاف للعب في مساحات مفتوحة تتطوّر بنسبة 40 بالمئة، في مقابل 25 بالمئة عند الأطفال الذين يحصلون على وقت قليل للعب في مساحات مفتوحة، بينما تتراجع النسبة إلى 15 بالمئة لدى الأطفال الذين لا يسمح لهم باللعب خارج المنزل.

وتوصف هناسكوم التجربة قائلة: كان هناك العديد من الصبية يمكن وصفهم بالشغب والصخب والحركة الزائدة في بداية جولتنا في الغابة، ساد في حديثهم الصوت المرتفع، وبدأت الجولة بلعبة قصيرة وشرح لبعض القواعد الأساسية التي يجب على الجميع اتباعها، ثم أتيحت لهم الفرصة للعب الحر، ففوجئنا بأن الهدوء قد ساد بينهم بمجرد أن شعر الأطفال بأن لهم الحرية للاستكشاف والبناء في الغابة، وتفرّقوا ثم بدأ أغلبهم في العمل معا لبناء خيمة كبيرة، وبالفعل بنى الأطفال خيمة كبيرة من الفروع بمساعدة قليلة، وعبّروا عن سعادتهم البالغة باكتمال البناء.

خلال وقت بناء الخيمة، كان التعاون بين الجميع، ولم يصب أي طفل بأذى على خلاف المتوقع، وهذا أمر نادر، فغالباً ما يصاب الأطفال ببعض الكدمات بعد اللعب في الغابة، وهذا دليل على أن لديهم القدرة على القيام بأكثر مما نسمح به في العادة.

وأشار الباحثون الذين شاركوا في الدراسة، إلى أن انخفاض مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال في الأماكن المفتوحة ارتبط بارتفاع متزامن في عدد الأطفال الذين يُعانون من قصور حسي، حيث زاد عدد الأطفال الذين يحتاجون لأنشطة وظيفية لعلاج جهازهم الحسي، كذلك يلاحظ خلل في توازنهم بشكل عام، مما يعني أنه كلما قيدنا حركة الطفل، أصبح في الواقع أكثر عرضة للمخاطر.

ومن الآثار الثانوية أيضا لانخفاض الوقت الذي يقضيه الأطفال بانتظام في أماكن مفتوحة، زيادة عدد الأطفال الذين لم يكتمل نمو النظام الدهليزي الخاص بهم، وهو نظام حسي مسؤول عن حس التوازن والشعور بالمساحة بغرض تنسيق الحركة والتوازن ويشكل جزءا من الأذن الداخلية، مما يعني أن وعي الأطفال بجسدهم وشعورهم بالمساحة قد انخفض، ما يزيد معدلات تعرض الطفل للخطر مع انحصار مساحة وقت اللعب في المساحات المفتوحة.

وفي هذا الإطار، قال محمود منسي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة الإسكندرية: اللعب في الأماكن المفتوحة له فوائد عديدة للأطفال، ويطوّر قدراتهم مع المواظبة عليه بشكل دوري، للحصول على المميزات الحسية التي يجنيها من اللعب في الخارج، موضحاً أن اللعب في مساحات مفتوحة مرة واحدة في الأسبوع لا يكفي لنمو جهاز حسي سليم، مثلما عند البالغين، لا نجني فوائد التمارين الرياضية غير المنتظمة، فكذلك الأطفال بحاجة للعب بصورة مستمرة وبشكل دوري، كما أنهم بحاجة لوجود بالغين يشجعونهم على المغامرة التي تعتبر أساساً لنظام حسي صحي وسليم.

قدرات الأطفال الذين يحصلون على وقت كاف للعب في مساحات مفتوحة تتطوّر بنسبة 40 بالمئة

وأضاف منسي: خوف الآباء المبالغ فيه قد يكون عائقا أمام استفادة الأطفال من الفوائد المتعدّدة للعب خارج المنزل، خشية عليهم من الإصابة بضرر، ما يجعلهم يكررون عبارات التحذير في أثناء اكتشاف الأطفال للطبيعة، ما يؤثّر سلبا على قدرات الأبناء، فلا نشهد مشكلات في النمو إلا عندما يتدخّل الكبار بالنواهي لتقييد حركة الطفل، فينهونه عن التسلّق والجري والدوران والاتساخ والقفز، فأحيانا الحماية الزائدة تضر أكثر مما تفيد، إذ أننا بذلك نمنعهم من الحصول على المدخلات الحسية التي يحتاجون إليها لتنمو أجسادهم بشكل سوي، مؤكدا أن تقييد حركة الأطفال وتقنين قدرتهم على اللعب في الخارج قد يؤذيانه أكثر مما يفيدانه.

ومن جانبه، أشار الدكتور محمد أبو بكر، أستاذ طب الأطفال بقصر العيني، إلى أن الأطفال بحاجة للتسلق والقفز والجري والتقاط فروع الأشجار، ولا ضرر من السقوط والإصابة أحيانا، فهي كلها خبرات طبيعية وضرورية تساعد الطفل على نمو جهاز حسي صحي، والذي يُعتبر أساسيا للكثير من الأنشطة الحياتية في ما بعد، لافتا إلى أن الجهاز العصبي لدى الأطفال مصمم بما يجعله يبحث تلقائيا عن المدخلات الحسية التي يحتاجها لينمو كأي فرد قوي بقدرات مكتملة، فعلى سبيل المثال عندما يقفز الطفل من فوق الصخور الصغيرة، فهو يفعل ذلك لأن دماغه مستعد وقادر على القيام بهذا النوع من النشاط.

ويوضح أبو بكر، أن هناك ثلاثة أنواع من اللعب العلاجي، الذي يعتبر عاملا مساعدا للطفل، أولها التزلج على الجليد أو الرمال، والذي يُعتبر نشاطا حسيا جيدا وخاصة في حالة تغيير وضع التزلج، فتزلج الطفل وهو نائم على بطنه مع رفع رأسه وقدميه لأعلى قليلاً ينشّط الجهاز الدهليزي، ويحسّن من وعي الطفل بجسمه بمرور الوقت، والنوع الثاني هو السير حافيا، ما يساعد على تنشيط وتقوية عضلات الكاحل وأقواس القدمين، كما يعمل على تطوير رد الفعل المنعكس للقدمين، ويساهم شعور الطفل بالأوساخ والعيدان وأوراق الأشجار أسفل قدمه بتطوير حاسة اللمس، كما للسير عاري القدمين دور فعّال في علاج الدفاعية الحسية في هذا الجزء من الجسم.

وتابع: النوع الأخير التدحرج، حيث يساعد التدحرج على تقديم مقدار مناسب من الضغط على العضلات والنسيج العضلي، مما يحسن من حاسة الإدراك الخاص، وهي حاسة أساسية للأطفال تساعدهم على أن يميزوا بدقة مقدار القوة المناسبة في اللعب والإمساك بأقلام التلوين من دون كسرها، كما يساعد الدوران الذي يحدث في أثناء التدحرج على تقوية الجهاز الدهليزي.

21