اللعنة

الأحد 2015/08/16

كُتب الكثير عن معاناة السوريين وتحديدا الشباب السوري الذي مات مئات الألوف منه في حرب قذرة، لكن من بقي على قيد الحياة يُعاني ظروفا ومرارة قد تكون أقسى من الموت الذي نجهله، ومثالا على ذلك الشاب وائل الذي يمثل شريحة كبيرة من الشبان السوريين، وائل شاب جامعي سُحب إلى الجندية ومن الطبقة المتوسطة، أمه تعمل مدرسة ابتدائي وهو من اللاذقية، لكنه أخذ إلى حمص وبكل بساطة كانت والدته ترسل للضابط المسؤول عنه كل شهر راتبها كاملا، 40 ألف ليرة سورية، إضافة إلى هدايا كثيرة كي لا يقف وائل في الحواجز وكي يسمح له أن يقضي معظم وقته في اللاذقية.

ويُمكننا أن نتخيل المبالغ الخيالية بل الخرافية التي يتقاضاها هذا الضابط المرتشي ومثله كثيرون من استغلال وضع هؤلاء الشبان أمثال وائل الذين يخاف عليهم أهلهم أن يتحولوا في طرفة عين إلى الشهيد البطل وورقة نعي.

على مدى خمس سنوات ظل الوضع كما هو، الأم المُدرسة ترسل راتبها كاملا للضابط ووائل يقضي وقته في اللاذقية محاولا شتى السبل للهروب، وتمكن من التسجيل في جامعة في ألمانيا ليُكمل دراسته لكن لسوء حظه لم يُعط الفيزا، فوجد نفسه -مع أهله أيضا- في عنق الزجاجة لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل هذا الوضع وهو دفع 40 ألف ليرة سورية للضابط كل شهر وعلى مدى 5 سنوات.

رُفض المسكين من السفارة الألمانية، فقرر أهله أن يقع تهريبه إلى تركيا ومنها إلى بلد أوروبي، وأصيبت والدته مرض السكري من شدة معاناتها من أزمة ابنها، لكنهم ورغم إدراكهم التام لمخاطر التهريب وكم من السوريين غرقوا في البحر وصاروا طعاما أساسيا للأسماك، ورغم معرفتهم باستغلال المهربين وانعدام حسهم الأخلاقي ولامبالاتهم بحياة من يلجأ إليهم، فقد قرروا أن يتعاملوا معهم.

هو الآن في تركيا محشورا في شبه " "قاووش" كبير -لا تتوفر فيه أدنى شروط الصحة -مع المئات من العائلات والشبان أمثاله، لا يملكون قرار أنفسهم بل هم تحت رحمة المهربين، تلك الطبقة التي أثرت ثراء فاحشا من التهريب، وكم سرقوا أموال المساكين الهاربين من الموت، ليقدموا لهم موتا من نوع آخر.

وائل ينتظر أن يرحله المهرب إلى اليونان ثم إلى دولة أوروبية أخرى. وائل ينتظر كآلاف الشبان السوريين أمثاله، وحين تحدثت مع أمه وسألتها كيف طاوعها قلبها وتجرأت أن تتحمل خطورة تهريبه ومخاطر التهريب التي يعرفها الجميع، أجابتني ببساطة اليائس: وهل أتركه في سوريا ليموت ويتحول إلى ورقة نعي وأنا لم يعد باستطاعتي دفع رشوة للضابط المسؤول عنه. قلت لها: لكن التهريب خطير جدا أيضا وكم من شبان غرقوا في البحر أو تعرضوا للنصب والعنف وأشكال مروعة من الاستغلال، صعقني جوابها حين قالت: لكن ما نسبة الشبان الذين ماتوا في سوريا مقارنة بهؤلاء الذين ماتوا تهريبا!

إذن الأم المسكينة كما لو أنها تحل مسألة رياضيات للصف الأول ابتدائي، والسؤال هو أي نسبة موت أعلى داخل سوريا في ساحة الوغى أم خارجها؟ كما لو أن الموضوع هو اختيار بين موت وموت، واحتمال الموت في الوطن أعلى من احتمال الموت تهريبا.

هذا هو حال شباب سوريا المحظوظين الذين يتمكنون من الفرار والذين يتمكن أهلهم من دفع رشاوى للضابط المسؤول عنهم، لوحة سريالية سوداوية مُخزية إلى حد لا يُوصف، وكم من الشبان في تركيا يخضعون لاستغلال المهربين ومعاملتهم القاسية حتى أن الكثير منهم أفلس تماما. من يبالي بشبان سوريا، بل من يبالي بالشعب السوري الذي يُقدم ككبش فداء من أجل الدول العظمى، والكل يتكالب لتقاسم الحصة الأكبر من الكعكة.

لم أعد أجد وقتا لمتابعة تنويعات القهر للمواطن السوري، فالحوادث تتسارع بشكل كبير والعنف والوحشية في إزدياد، ويوم 13 - 8 ومنذ بزوغ الشمس التي تشرق على الأشرار والصالحين سقطت أربعة صواريخ في اللاذقية أحدها في مركز المدينة تماما أدى لاحتراق عدة سيارات وإصابة الكثيرين، أما الهلع والذعر واليأس فهذه مشاعر لا داعي لذكرها لأنها تحصيل حاصل للحياة في سوريا. اللاذقية التي تضم أكثر من مليوني نازح لجؤوا إليها هربا من الموت لتحصدهم صواريخ الموت في الساحل.

واضح أن المطلوب تدمير أدنى إحساس بالأمان لدى السوري وتحويل حياته إلى جحيم حقيقي. لكن أكثر ما يؤرقني هم شباب سوريا الذي لا يملك سوى الخيار بين موت وموت. إما أن يتحولوا إلى ورقة نعي في الجيش العربي السوري أو يقعوا بين أنياب المهربين يفترسونهم ويستغلونهم وقد يكون مصيرهم الموت أيضا. متى ستنتهي اللعنة التي حلت بأحبائي السوريين؟

21