اللغة أنثى

لم تقع تحت يدي دراسة وافية حول أيهما يتعلم أكثر الرجال أم النساء، لكن انتابني شعور دفين أن فريق حواء يجيد اللغات أكثر من فريق آدم.
السبت 2019/08/24
"اللغة أنثى"، وعلينا احترامها وإجادتها، كما نحترم ونجيد التعامل مع الأنثى

يعرف من تبحروا في اللغات الأجنبية أن الجوانب النفسية تلعب دورا مهما في اكتساب المهارات. هناك دراسات مستفيضة في سيكولوجية اللغة، معظمها يتوقف عند أدبياتها والطرق التقليدية للتعلم في وقت قياسي، والنصائح المطلوبة للإلمام بها.

لم تقع تحت يدي دراسة وافية حول أيهما يتعلم أكثر الرجال أم النساء، لكن انتابني شعور دفين أن فريق حواء يجيد اللغات أكثر من فريق آدم. ليس هذا انحيازا لفريق أو ظلم لآخر، بل هي نتيجة جاءت من حصيلة مشاهدات في مواقف متعددة.

بقيت رؤيتي ثابتة، مع أنني التقيت أصدقاء يجيدون لغات متعددة وبطلاقة، لكن ظل صوت مترجمات من لغات مختلفة، بعضها يكاد يكون مجهولا ومندثرا، في مؤتمرات كثيرة حضرتها يرن في أذني، ولم أجد رجلا يشنفها إلا قليلا، ربما يكون من حسن حظي أو الصدفة المعتادة لعبت دورها.

وجدت التفسير العملي لهذه الظاهرة عندما اختارتني كلية الألسن بجامعة عين شمس في القاهرة، عضوا في مجلس الكلية منذ أربعة أعوام، وهو تقليد تتبعه بعض الكليات في مصر لاختيار شخصية أو أكثر من خارجها ضمن أعضائها.

في أول لقاء حضرت متأخرا بعض الشيء للقاعة المخصصة لاجتماع تعارف على الزملاء، وجدت نفسي أمام نحو ثلاثين سيدة ورجلين، تصورت أنني أخطأت القاعة، وهممت بالخروج حتى وجدت من ينطق اسمي للجلوس وتأكدت أن المكان صحيح.

تعد كلية الألسن من أعرق الكليات في مصر، ويعود تأسيسها إلى رفاعة الطهطاوي عام 1835 باسم مدرسة الألسن، ثم تغيرت إلى مدرسة المترجمين، وأخيرا كلية الألسن، وتحظى بجاذبية كبيرة من الدارسين الآن.

سألتني عميدة الكلية عن سبب الهرولة، فقلت لها لم أتخيل هذا العدد الكبير من السيدات. عرفت بعدها أن الغالبية المطلقة للأقسام من الإنكليزي إلى الكوري، مرورا بكل اللغات الحية والميتة في العالم، تترأسها سيدات.

بدأت كلمتي بتفسير بسيط عن سيكولوجية اللغة كنوع من الاعتذار. واستحضرت مشاغباتي مع ابنتي الصغيرة “هنا” عندما كانت تدرس الإنكليزية لأول مرة في القاهرة، وبعد شهور وجدتها تتحدث بطريقة أقرب إلى أصحاب اللغة الأصليين. عرفت يومها أن لديها استعدادا طيبا للتعلم. ونصحتني معلمتها البريطانية بتنمية حبها للغة، لأنها بسهولة يمكن أن تجيد لغات عديدة.

استغربت، وأنا تخرجت في كلية حكومية اهتمامها باللغات الأجنبية يكاد يتوقف عند حد الكفاف. منذ ذلك الوقت ترسخ في ذهني أن “اللغة أنثى”، وعلينا احترامها وإجادتها، كما نحترم ونجيد التعامل مع الأنثى.

24