اللغة أولا وأخيرا

الخميس 2015/11/26

لا تعدم المكتبة الفرنسية مؤلفات وضعت خصيصا للأخذ بأيدي المبتدئين ممن يرومون تجريب الفن الروائي، وتضم نصائح في ما يستحسن اتباعه أو يجب تركه، ويستفيد فيها واضعوها من تجربتهم الذاتية ومن تجارب من سبقهم. من بين تلك المؤلفات كتاب يجلب الانتباه بعنوانه “يوميات كاتب في بيجامة”، للكاتب الهايتي داني لافريير المقيم بمونتريال، الذي صار عضوا في الأكاديمية الفرنسية منذ 2013. في هذا الكتاب الذي صاغه بأسلوب طريف بعيد عن الأساليب الأكاديمية المعقدة يستعرض لافريير كل ما يخص العمل الروائي وظروف إنشائه، والمراحل الذاتية والموضوعية التي يمر بها قبل أن يصل إلى القارئ.

وقد أتى فيه على ذكر كل ما يتصل بالإبداع، كالبداية والخاتمة والنسيج الروائي والسارد والمكان والزمان والوصف والحوار والاستطراد والاسترجاع والحوار الباطني والإيقاع والصفحة البيضاء وطرق استعمال الأفكــار والحقـــائق العــلمية روائيا والأسلوب وحتى فن الأخذ عن الآخرين، أو ما نسيمه عندنا السرقة الأدبية، مستلهما من الكبار، قدامى ومحدثين، أمثلة وأقوالا أثيرة، موجزا حينا ومستفيضا أحيانا أُخَر، ولكن لا حديث عن اللغة، لأنها في رأيه، كما نتصور، من تحصيل الحاصل، فلا يعقل أن يقدم أحدهم على إبداع عمل أدبي دون أن يكون ماسكا بالأداة الأولى التي تكون بها الكتابة كتابة، قبل أن تكون أدبا يقرأ ويناقش ويتداول ويحتذى به.

هذه البدَهية، التي يدركها بالسليقة الخاص والعام، صارت عند الكثير من الكتاب العرب وجهة نظر، فمنذ أن اعترض يوسف إدريس على تصويب طه حسين لخطأ في عنوان باكورته القصصية “أرخص ليالي” والكتاب يعتبرون أنفسهم فوق اللغة، بل إن أغلبهم يستهين في نصوصه، وكذا في أحاديثه المعلنة، بقواعدها وضوابطها، وباتت الأخطاء حالة عامة لا تخلو منها كتبنا، حتى تلك التي تتوّج بجوائز محلية وقومية كبرى. وويل لمن حدثته نفسه بالإشارة إليها، لأنه سوف يرمى عندئذ بالتزمت والتقعر والرجعية، ويوصف في أحسن الحالات بمدرس لغة غير مؤهل لفهم الإبداع وإدراك خصوصياته.

ويحضرنا في هذا المقام مثالان، عن كاتبين فاز كلاهما بجائزة عن رواية جمعت بين دفتيها كل أنواع الأخطاء، أحدهما مصري والثاني تونسي. فأما المصري فقال في ما يشبه الاعتذار إن تكوينه علمي واختصاصه الحسابات، وأما التونسي فردّ في استعلاء أن الرواية ليست لغة فقط. ولنا أن نتصور موقف المدرسين الذين يجهدون في تقويم ألسنة طلابهم حين يجدون في المقررات المدرسية كتبا مشحونة بأخطاء اعتادوا أن يحاسبوهم عليها، تقدم كنماذج من عيون الأدب العربي المعاصر، ويوصى النشءُ بتمثلها والاحتذاء بها.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15