اللغة الأمازيغية أمنا التاريخية والعربية أمنا الحضارية

الخميس 2013/07/25
بلعيد يدعو إلى تعايش اللغات

يعتبر صالح بلعيد الباحث والأكاديمي الجزائري وأستاذ اللغة واللسانيات بجامعة تيزي وزو من بين المثقفين البارزين الذين أثروا المكتبتين الجزائرية والعربية بعدد من المؤلفات التي تعد مرجعيات لأجيال الطلاب والطالبات في مرحلة ما بعد الاستقلال. صالح بلعيد عضو في أساسي في كل من المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر ومجلس اللغة العربية بدمشق، و مجلس اللغة العربية بليبيا. من بين الكتب التي صدرت لبلعيد حتى الآن نذكر "اللسانيات التطبيقية"(1996) و"في الهوية اللغوية" (2008) و"الأمم الحية أمم قوية بلغتها"(2010) و"في الأمن اللغوي" (2012).

إن انشغال الباحث صالح بلعيد بالمسألة اللغوية وتعقيداتها في الجزائر قد قادته إلى تأليف كتاب "في الهوية الوطنية" الصادر عن دائر الأمل للنشر والتوزيع لدراسة عناصر الهوية الجزائرية والمشكلات التي تعترضها. وفي الواقع فإن صالح بلعيد المنحدر من الأصول الأمازيغية يعتبر من بين حماة اللغة العربية في الجزائر حيث نجده ينأى في كتاباته عن "الفصيلة المتطرفة" المتكونة من دعاة الانفصال الامازيغيين والفرانكفونيين للغة العربية بواسطة استخدامها لقناع الدفاع عن اللغة البربرية وهم في الحقيقة يمارسون العنصرية ضد العرب واللغة العربية من جهة ويعملون بسبل مختلفة للإبقاء على اللغة الفرنسية في الإدارة وفي مختلف المؤسسات الكبرى من جهة أخرى.

على أساس هذا الموقف الوطني المتفتح وغير الجهوي نجد الباحث صالح بلعيد ينقد نقدا صارما "الطائفة" الفرنكوفونية المتطرفة التي تسعى إلى إلحاق الجزائر مجددا وبطرق مختلفة بهوية فرنسا التي بطشت وحطمت على مدى قرن وثلاثين سنة أركان الهوية الثقافية والتاريخية الجزائرية وفي عمقها البعدين الثقافيين اللغويين الأمازيغي والعربي.

لابد من التوضيح هنا أن التيار الفرانكفوني والبربري المتطرف قد شرعا في منطقة القبائل الكبرى وعاصمتها ثيزي وزو – رغم إدراج اللغة الأمازيغية في الدستور والاعتراف بها كلغة وطنية – في إقصاء اللغة العربية والأمازيغية معا في أغلب محلات وبنيات وشوارع فضاء المحيط العام كما أن هناك فرق تمارس حذف اللغة العربية من كومبيوترات مقاهي الانترنت وذلك وفقا خطة محكمة وعلى نحو يومي.

تكامل وتعايش

إن مؤلف كتاب "في الهوية الوطنية" يطرح هذا السؤال: من نحن؟ بصيغة الجمع ويهدف من ورائه إلى الكشف عن أصل البربر وإلى إبراز التنوع البشري المتعدد الأعراق الذي يتميز به فضاء شمال أفريقيا أيضا. يرى الباحث صالح بلعيد بأن البربر يعود ظهورهم في شمال أفريقيا "إلى حدود الألف الخمسة قبل الميلاد والألف الرابعة قبل الميلاد وما بعدها".

بخصوص هذا التأريخ يستند الباحث صالح بلعيد إلى السجلات التاريخية المصرية التي تؤكد بدورها بأن البربر"الأمازيغ" كانوا "موجودين بالغرب من مصر على شكل جماعات لكل منها اسمها الخاص، وكان بعضها (الجماعات) من ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر والبشرة البيضاء، وتنوع هذه الجماعات يدل أيضا على تنوعها اللغوي، كما هو الحال اليوم".

تداخل الأعراق

حسب الباحث صالح بلعيد، الذي يدعم استنتاجاته بما توصلت إليه الدراسات الأنتروبولوجيا، فإن "اللغات الأمازيغية هي بقايا الماضي البعيد، ولم تسنح التطورات التاريخية لبروزها؛ مما جعلها ضعيفة وغير مؤهلة لأن تكون لغات الحضارات المتتالية". على أية حال فإن قضية أصول البربر لا تزال محل خلاف واختلاف وسجال في حقل الدراسات التاريخية والإنثوغرافية ولا يمكن البت فيها بشكل قطعي ونهائي. فالمنظور الأكثر علمية لدراسة هذه القضية هو ذلك الذي يأخذ بعين الاعتبار تداخل الأعراق والحضارات واللغات والثقافات في منطقة شمال أفريقيا التي شهدت عبر حركة التاريخ هجرات بشرية من كافة الجغرافيات إليها فضلا عن تعدد المستعمرين الذين وفدوا إلى هذا الفضاء الجغرافي حتى عصرنا الحديث. بناء على ما تقــدم فــإن المنظــور العرقــي ذي البعد الواحد المغلق الذي يستبعده الباحث صالح بلعيد لا يفيد في دراسة التقاطعــات البشرية واللغوية والثقافية في فضاء محدد وخاصة في شمـــال أفريقيــا التي تعتبر ملتقى العناصـر البشريــة والثقافيــة المتنوعــة.

يبرز صالح بلعيد موقفه اللغوي في الجزائر على أساس أن "اللغة العربية هي الكفيلة أن تسمو إلى درجة الاحتكام، فهي جزء منا جميعا. ونحن الأمازيغ (الجزائريون) نعشقها ولا نعاديها"، ثم يضيف موضحا بأن اللغة العربية "تعلو على الأمازيغية في مواقف شتى؛ باعتبارها لغة عالمة تعلو ولا يعلى عليها، وهي لغتنا الأم".

من أجل دعم هذا الموقف يتفق الباحث صالح بلعيد مع العلامة المغربي علال الفاسي الذي يعتقد أن "اللغة الأم ليست هي التي يتعلمها الإنسان في صغره" وذلك لأنه لا ينبغي التسليم باعتباطية أطروحة "وراثة دموية للغة"، ولأن أمومة اللغة تنبع من كون أن الانسان "يميل إليها و يتقنها وتظهر فيها عبقريته…".

ردا على أصحاب نزعة إقصاء اللغة العربية في الجزائر نجد الباحث صالح بلعيد يدعو في كتابه هذا إلى تثبيت وإغناء فكرة وعلاقة التعايش والتكامل والإثراء بين العربية الأمازيغية وذلك بعيداً عن وصاية أية لغة أجنبية وافدة.

أما التيار الذي يريد كتابة اللغة الأمازيغية بالحروف اللاتينية بدلا من حروف التيفيناغ والحروف العربية فينتقده الباحث صالح بلعيد بقوة وحجته في ذلك هو أن هذا التيار له أهداف إستراتيجية مضمرة تتمثل في تشبثه ببقايا ثقافة ولغة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي إنكاره لخصوصية البنية الصوتية – اللغوية ذات الأصل التاريخي الوطني أو العربي – الحضاري حروفا ومعجما ودلالات معبرة عن الحساسية الثقافية للجزائريين.

وفي هذا السياق فإن موقف الباحث صالح بلعيد بخصوص الحروف التي ينبغي أن تكتب بها اللغة الأمازيغية فيرى أن الاحتكام إلى الحـق التاريخـي يستـدعي موضوعيا أن تكتب اللغة البربرية بحروف التيفيناغ الأصلية وإذا تعـذر ذلك جـراء أسبـاب علميـة توجـد خارج نطاق القدرة البشرية فإن الاحتكام إلى الحق الحضــاري يستــدعي موضوعيــا أيضا كتابة اللغــة الأمازيغية بالحـروف العربيــة أســوة بالمعمول به في كازاخستان قبل العهد السوفييتـي، وفي باكستان وإيــران وأفغانستــان لأن صــوتيــات اللغة العربية توفر عاملين مهمين أولهمــا الكفاءة الصوتية التي بموجبها يتحقق حفــظ وتطوير الأمازيغية والحيلولة دون موتهــا وثانيهما يتمثل في إسقاط الحاجز النفسي عند بعض المعربين المتطرفــين.

14