اللغة الحية واللغة الميتة

الخميس 2017/06/22

يحتفل معجم لاروس الصغير هذا العام بمرور قرنين على مولد بيير لاروس(1817-1875)، المربّي والموسوعي والمعجمي والناشر الفرنسي الذي تدين له اللغة الفرنسية بمعجم يحمل اسمه، كان يطمح أن يكون أداة لـ”ترويج فكر الأنوار من خلال نشر المعرفة، ومقاومة الجهل والأفكار المسبقة، والعمل على التطور الديمقراطي”.

هذا المعجم الذي قال عنه جان دورميسون، عضو الأكاديمية الفرنسية، إنه الكتاب الوحيد الذي يمكن أن يأخذه معه إلى جزيرة خالية، ما انفك يتطور كل سنة، منذ ظهوره ويستقبل ما يجدّ في خطاب الناس من ألفاظ ومصطلحات ومفاهيم أقرها الاستعمال اليومي في الشارع، وفي وسائل الإعلام، وفي الأوساط السياسية والعلمية والثقافية والفنية وسواها مما تكون اللغة أداته في التعبير عن حال أو وضعية أو تجربة أو مستحدثات تكنولوجية فرضها المراس والتواصل والابتكار.

لا يستثنى من ذلك ما يأتي من وراء البحار، في شتى القارات، ويجد له على ألسنة الفرنسيين منطقا، حتى يواكب إيقاع العصر ومبتكراته، المادية منها والمعنوية، ويكون دليل الباحث والطالب والكاتب والصحافي وكل راغب في تبين ما غمض لديه من ألفاظ واستعمالات.

هذا المعجم، الذي حوى في طبعته الأولى سبعمائة صفحة من القطع الصغير، يمسح في طبعته الحالية الصادرة في نهاية شهر مايو الماضي أكثر من ألفي صفحة من القطع الكبير، وهي طبعة استقبلت ما يزيد عن مائة وخمسين لفظة حديثة، تتراوح بين فن الطبخ والأكل ومستجدات عالم الفنون وفتوحات الطب والعلوم ومبتكرات المعلوماتية وتطورات عالم الاقتصاد والتحولات المجتمعية الكبرى.

وكلها ألفاظ فرضها الاستعمال اليومي وتخطت مرحلة الموضة، ولم ير معجم لاروس بدّا من إقرارها حتى تظل الفرنسية لغة حية لا تني تتجدد.وككل جديد، يهمل لاروس من الألفاظ ما لم يعد مستعملا، فهو وإن استقبل منذ عام 1998 نحو ثلاثة آلاف لفظة، استغنى عما يزيد عن أربعة آلاف صارت في عداد “حوشيّ الكلام وغريبه” خلال الفترة نفسها، لأن المشرفين عليه من المعجميين والأكاديميين يحرصون على أن يكون مرآة للغةٍ حية تواكب عصرها.

فأين العربية من كل هذا ومرجعيتنا اللغوية لا تزال مشدودة إلى قواميس يرجع عهدها إلى قرون خلت، والمجامع اللغوية تجهد في تنقية ما تقادم، وإيجاد بديل للألفاظ الدخيلة، غير عابئة بما يفرضه الخطاب اليومي، قاصرة عن مواكبة إيقاع العصر، تتعامل مع اللغة في فضاءات أكاديمية مغلقة لا يُرجّع الواقع أصداءها. ونكتفي بعد ذلك بالإشادة بلغتنا كأسمى اللغات وأعرقها في العالم.

كاتب تونسي

15