اللغة الدخيلة

الخميس 2015/07/16

من المقولات التي حفظناها عن ظهر قلب تلك التي كان يرددها طه حسين في مطلع برنامج “أبجد هوز″، بإذاعة الشرق الأوسط من القاهرة “لغتنا العربية يسر لا عسر، ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها، ولنا أن نضيف إليها ما نحتاج إليه من ألفاظ لم تكن مستخدمة في العصر القديم”.

هذه المقولة تلخص بمفردها ما ينبغي أن تكون عليه مقاربتنا للغتنا في واقع لا يني يتغير، وتعني أساسا تمسّكنا برصيدها الموجود، وإثرائه بما تجعله مستجدات العصر ضرورة، والشرط أن نملك ذلك الرصيد القديم، لكي نجنب أنفسنا استيرادَ ألفاظ وتعابير من لغات أخرى والحال أنها متوافرة في لغتنا، أو استعمالها في غير محلّها على نحو يحيد بها عن المعنى المقصود. والأمثلة على ذلك كثيرة، نجدها في وسائل الإعلام، وزمنها متسارع لا يحتمل التدقيق والمراجعة، ونجدها أيضا في النصوص السردية التي يفترض أن لأصحابها من سعة الوقت ما يتيح لهم التثبت حتى يُحلّوا كل لفظ موضعه.

صحيح أن اللغة كائن حيّ، تتطور بتطور الحياة، وتغتني بما يفرض وجوده في خطاب الناس بالمراس والعادة، ولكن لكل لغة مرجعيتها وعمقها التاريخي. وإذا كان بعض التعابير الأجنبية قد وجد له مستقرا في خطابنا المنطوق والمكتوب، مثل “المال لا رائحة له” التي قالها الإمبراطور الروماني فسباسيانونس لابنه تيتوس في القرن الأول قبل الميلاد، حول نقود الضرائب على المراحيض العامة، وعبارة “اللغة الخشبية” التي ظهرت مطلع القرن العشرين في روسيا، عندما كان الناس يصفون البيروقراطية القيصرية بـ”لغة البلوط”، ثم تلقفها البولنديون في السبعينات لنقد السياسة السوفيتية، فصارت توصف بـ “لغة الخشب”، قبل أن تروج في فرنسا عقب صعود حركة سوليدارنوسك، فإن عبارات أجنبية أخرى وضعت في غير محلها، دون أن يكون لنا بها حاجة.

من ذلك مثلا استعمال عبارة “الليلة البيضاء” للدلالة على حال من يجفوه النوم، بدل “السهد” أي الأرق ليلا، فالليلة البيضاء هي التي يطلع فيها القمر من أولها إلى آخرها، تقابلها الليلة الظلماء التي يفتقد فيها البدر كما ورد في قصيد لأبي فراس الحمداني.

وأصل استعمالها في اللغة الفرنسية يعود إلى تاريخ الفرسان في العصر الوسيط، فقد كان يفرض عليهم ليلة “حفل التدريع″ أن يرتدوا جلبابا طويلا أبيض أشبه بالفستان، ويبيتوا ليلتهم تلك في التهجد والتضرع حتى طلوع الفجر، فيقال إنهم قضوا ليلة بيضاء. والخلاصة أن الدخيل ليس ما يثري القاموس، بل ما يدخل اضطرابا عليه.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15