اللغة الشعرية وطراوة السرد

إن عملية كتابة الشعر بحد ذاتها تعد عملية إبداعية دقيقة للغاية وتتطلب الكثير من امتلاك أسرار اللغة ومفاتيحها.
الأحد 2018/05/06
الشعر قائم على الموسيقى والإيقاع الداخلي للقصيدة

لعل واحدا من أقدم الأشكال الشعرية في العالم هو ما يمكن أن نطلق عليه القصيدة السردية التي تعني ببساطة “قصائد القصص” وهي من بين أقدم أشكال الأدب، حتى قبل اختراع الكتابة والطباعة، إذ كان الناس يرددون القصص على شكل قصائد سردية، مستخدمين الإيقاع والقافية والتكرار واللغة الزاهية المبهرجة أو المنّمقة، لجعل حكاياتهم سهلة التذكر وسلسة.

وبقدر تعلق الأمر بالسرد المعاصر فغالبا ما تصادفنا بعض الجمل المقطّعة أو صعبة التركيب، الخالية من الطراوة اللغوية، فتجعلنا ننفر من القراءة والعزوف عن المواصلة وركن الكتاب جانبا، وهي قضية مهمة تتعلق بقدرة الكاتب على تركيب جمله بانسيابية وعذوبة من شأنها استدراج القارئ وإراحته. لكن، إلى أي مدى يمكن أن نرصد التداخل الكبير بين اللغة الشعرية وغناها من جهة ولغة السرد من جهة أخرى؟ وهل يمكن فصلهما عن بعضهما البعض؟

إن عملية كتابة الشعر بحد ذاتها تعد عملية إبداعية دقيقة للغاية وتتطلب الكثير من امتلاك أسرار اللغة ومفاتيحها، ولا يمكن تخيّل الشعر مجردا من اللغة العميقة والثرّة ومقتصرا على الصور والتوصيفات المركّبة من دون الحضور الأسطوري للغة الشعرية الكفيلة بتجسيد تلك الصور الخاصة والموغلة في وجدانيتها العميقة.

وبما أن الشعر قائم على الموسيقى والإيقاع الداخلي للقصيدة، فإن الإحساس باللغة وانسيابيتها ضرورة قصوى في أيّ نص إبداعي قصيدة كان أم سردا، لأن الأمر مرتبط بالدرجة الأساس في انسيابية القراءة والتركيبة اللغوية للنص، وكلّما امتلكت الجملة إيقاعها الخاص، كلّما كان النص منسابا في القراءة.

بالتأكيد لكل جنس إبداعي خصوصياته وكينونته، لكن جميع النصوص الإبداعية تعتمد على اللغة والصور الشعرية، وفي حالة السرد فإن غنى المفردات اللغوية يمنح الكاتب مرونة في تجسيد بناه السردية، وأقصد هنا اعتماد لغة الشعر في غناها اللغوي الذي يمكن أن يثري النصّ السردي وليس الصور الشعرية القصيرة أو صور الومضة الخاصة بالقصيدة، وهي تقنية معقدة تتطلب الكثير من العمق والقراءات الشعرية والتراثية لإغناء المفردات كما نعلم، وما زلت أعتقد أن ضعف اللغة وانعدام شعريتها لدى الروائي، هما من أولى أسباب السقوط في المباشرة والسطحية والتقريرية، وبالتالي فقدان النص السرديّ لمقومات المرونة والثراء والانسيابية المطلوبة في القراءة.

لكن كيف يمكن تحليل ملامح اللغة في القصائد والروايات؟ يقول الباحث اللغوي كينيث كوخ: إن الشاعر أو الروائي الجيّد لا يجسد القصة/ الفكرة/ المشاعر (أي المحتوى) فقط بواسطة ما يقوله ولكن أيضا بواسطة الطريقة التي يقول بها ذلك (أي الاعتماد على ميزات اللغة). وحسب بول فاليري فإن التفكير في ما يمكن التعبير عنه بالشعر قد يجعل من النص السردي حالة من الشعرية الخاصّة، لأن الشعر كان في الأساس لغة منفصلة أو بشكل أكثر تحديدا ‘لغة داخل لغة’ وهي موجودة بطريقة ما داخل حدودها.

 وإذا أخذنا ما يقوله فاليري على محمل الجد، يقول كينيث كوخ، فيمكن تعريف اللغة الشعرية كلغة يتم فيها رفع صوت الكلمات إلى أهمية مساوية لمعانيها، وكذلك مساوية لأهمية القواعد النحوية، وهي ضرورة شعرية أراها مناسبة للدخول، سرديا، بنعومة تامّة إلى ذهن القارئ ومخيّلته، وكلّما كانت الجمل الشعرية القصيرة صادمة ومعبأة بالمعاني، كلّما استدرجت القارئ للقراءة وأثارت شغفه وفضوله.

إن القصد هنا هو توضيح قوّة وضرورة النص الشعري أو اللغة والعبارة الشعرية في النص السردي، على أن تكون موظفة بطريقة محكمة ومنسجمة مع الخط السردي العام وليست مقحمة عليه أو بقصدية مكشوفة كما لو كانت استعراضا للعضلات اللغوية، والفرق كبير وحساس وهش للغاية هنا.

10