اللغة العامية البغدادية في موسوعة جديدة

السبت 2013/11/16
القيسي يسعى من وراء موسوعته الجديدة إلى المحافظة على التراث العراقي

تورنتو- صدرت مؤخرا في عمان عن دار الأديب "موسوعة اللغة العامية البغدادية أصولها وأبنيتها ومعجم ألفاظها" للأكاديمي والباحث في التراث العراقي مجيد القيسي، تضمّن مدخلها مفاتيح الرموز التي تشير إلى أصل اللفظة القديم وتأكيده.

وتشير سيرة مجيد القيسي العلمية والثقافية إلى كونه باحثا متخصصا، أصدر العديد من الكتب الجامعية في حقول الكيمياء الإشعاعية والتحليلية. ولئن كان اليوم مغتربا في هاملتون الكندية، فإنه ظلّ وفيا لاهتمامه بالتراث العراقي والبغدادي.

حيث كتب العشرات من البحوث والمقالات في أصول وتطور الألفاظ العامية البغدادية بصفة خاصة وصدر له في عام 1990 عن دار الشؤون الثقافية في بغداد "معجم الألفاظ الأجنبية في اللغة العامية العراقية".

كما دفعه حبه لبغداد وأهلها إلى أن ينكب في غربته شهوراً طويلة لإنجاز موسوعته الرائعة التي تصدرها إهداء: "إلى الذي نقش أول حرف على الصلصال وتفرد بنطق حروف البشر.. إلى العراقي الأصيل".

في مقدمة موسوعته، ينقل مجيد القيسي حوارا قصيرا بين الفقيهيْن الشافعي ويونس في مديح بغداد جاء فيه: "قال الإمام الشافعي لصاحبه يونس: يا يونس أدخلت بغداد؟ قال لا! قال يا يونس ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس". وبفضل نصّ الإهداء وهذا الشاهد نقف على تأكيد هذا الباحث أن بغداد ساهمت بنصيب كبير في رفد سيرورة الحضارة الإنسانية بكثير من المعارف وكثير من العواصم وكثير من الرجال. وهذا ما نلفي له صورة في نصّ شعريّ كتبه القيسي وجاء فيه قوله: "بغداد كم هانت عليك محبتي/ أفلا سألت الليل حين يعود/ قد كان وعداً أن نكون لعشقنا / أبد الدهور وزادنا التنهيد/ مازلت أذكر خلوةً شقنا لها/ عند الجنينة والعيون ورود/ إذ كان ريح الطلع يعبق ضمنا/ وعلا طنين النحل وهو غريد/ والعود يشدو بالحجاز وبالصبا/ والناي يصدح بالنوى: بغداد".

في تصديره للموسوعة يقول مجيد القيسي: "تسعى الأمم الناهضة إلى رعاية موروثها الفكري والاجتماعي والثقافي والحفاظ عليه ونشره ودراسته وفق أسس علمية منهجية واضحة وبخاصة اللغات المحلية المحكية وأصولها ولهجاتها ولكناتها المختلفة ولأهداف شتى منها ما هو أكاديمي ومنها ما هو اجتماعي وثقافي وسياسي.

ولقد أوليت هذا الموضوع الحيوي الجذاب اهتماما خاصا باعتباري أحد أبناء بغداد الحبيبة والعاشقين لتراثها فقمت على متابعة تطور اللغة البغدادية وأصولها وأبنية ألفاظها ولهجتها السائدة وتقلباتها على مر العقود الماضية من السنين وحين ولجت هذا الباب الواسع وجدت خلفه إرثا غنيا من الأعمال التراثية التي قدمها الرواد الأوائل".

تضم هذه الموسوعة أكثر من 3000 كلمة عامية عربية وأجنبية مع ما يقابلها من ألفاظ عربية فصيحة، حيث يقول: "توخيت منها في المقام الأول معاونة الفئات المختلفة من المجتمع ليتعرفوا على ما يقابل الكلمة العامية في اللغة العربية الفصحى من خلال عدد من المترادفات المتباينة لاختيار ما يناسب حاجاتهم كما رسمت الألفاظ العامة الأجنبية بالحروف العربية لتسهل عليهم قراءتها".

موسوعة الدكتور مجيد القيسي عمل يستحق أن نقف عنده بإعجاب وتقدير خاصة وأنه يأتي في ظل مخطط واضح لمحو هوية بغداد وأهلها

تضم صفحات الموسوعة المدخل الذي يتناول نشأت اللغة العامية البغدادية وتطورها، وفيه يجيب الباحث عن تساؤل هام مثّل السبب الذي دفعه كباحث إلى ترجيح مصطلح "اللغة" على "اللهجة" إذ يقول: "إن اللغة بمفهومها العام أو السائد في الأوساط التراثية أو الثقافية هي أكثر توصيفا للكلمات وأنساقها التي يتحدث بها البغدادي عموما من "اللهجة". وهو ما سار على نهجه الباحثون والكتاب العراقيون الأوائل وفي مقدمتهم الشيخ جلال الحنفي في كتابه "معجم اللغة العامية البغدادية". ويعرف ابن منظور صاحب "معجم لسان العرب" اللغة بأنها "كلمات يعبر بها قوم عن أغراضهم".

وهو التعريف الشائع بين عموم الناس. أما من الوجهة العلمية فهي أنساق من العلاقات يمكن التواصل بواسطتها بين البشر أو هي وظيفة للتعبير الكلامي عن الفكر الإنساني داخليا وخارجيا. أما اللهجة فهي أسلوب في الحديث يمارسه الناس الذين يعيشون في منطقة معينة من البلاد.

فهم يتحدثون بلغتهم الأم ولكن بطريقتهم الخاصة مثال ذلك سكان مدينة العمارة أو مدينة البصرة أو مدينة عانه، بينما تعرف اللكنة بكونها كلام الناس الذين ينطقون الكلمات الخاصة باللغة السائدة ولكن بنبرتهم التي يتميزون بها، مثال ذلك كثير من الكورد والمواصلة والتكارتة والكربلائيين الذين يتحدثون بالبغدادية بلكناتهم المتميزة.

وعلى الرغم من وحدة وتجانس اللغة البغدادية نسبيا، غير أن بمقدور المتخصص في شؤون اللهجات أن يلمس بعض الإشارات الكلامية والملامح الصوتية المتباينة بين مختلف سكان محلات بغداد القديمة والتي تدل على أصولهم ومنابتهم. أما الرطانة فهي طغيان الكلمات الدخيلة والعامية في الحديث اليومي لفئات معينة من عامة السكان، وخصوصا أولئك الغرباء الذين لم يندمجوا بعد في الحياة اليومية للبغادة".

وفي فصل "مباحث اللغة العامية البغدادية" يركز الكاتب على خصائص اللغة العامية البغدادية وقواعدها وأبنيتها مقارنة بالعربية الفصحى، حيث يتناول "نطق الحروف في العامية البغدادية وقلبها وإبدالها" وبناء الأفعال العامية المزيدة والمركبة، وبناء الأفعال العامية البسيطة، والمطابقة بين الفعل والفاعل في العامية البغدادية، وأفعال المقاربة والرجاء، والمصدر والمصدر الصناعي، وصور اسم الفاعل، وصيغ اسم المفعول، وأوجه الوصف في العامية، وتبسيط الأفعال والعبارات واختزالها، والضمائر في العامية البغدادية، والنعت والمنعوت في العامية، وأوزان الجموع عند العامة، وأدوات النسبة في العامية البغدادية، وأسماء الإشارة والتنبيه والخطاب، والعامية البغدادية وأخوات كان، وإن واخواتها، وأدوات الاستفهام وأدوات النداء في العامية، والحال والتمييز، والمفعول المطلق، والتوكيد، وواو المعية، والمفعول معه، وحروف العطف، والاستثناء، وصيغ التفضيل، وأدوات التعجب، وصيغ المديح والذم، والاستغاثة والندبة، وصيغ التصغير، وأسماء الكناية، والأسماء الموصولة، والعدد في العامية البغدادية، والتعبير عن أصحاب المهن والحرف وأوصافهم، وبعض الألفاظ المشتقة من الأصوات، مع أمثلة على كل بحث من المباحث المذكورة لتأتي بعد ذلك صفحات معجم الألفاظ العامية البغدادية مفهرسة حسب الحروف الأبجدية.

17