اللغة العربية في فرنسا تعاني إهمالا متعمدا

الثلاثاء 2015/04/28

يعتبر الأستاذ فؤاد لعروسي التونسي الأصل، أستاذ اللسانيات الفرنسيّة ومدير مخبر الديناميات الاجتماعية واللغوية في جامعة روان الفرنسية أحد أهمّ الأصوات الأكاديميّة المدافعة عن التعدّدية اللغويّة والثقافيّة ليس في فرنسا فقط وإنّما في العالم، بحيث تجاوزت أبحاثه المحيط الأوروبي والغربي إلى أميركا وصولا إلى بلدان شرق أسيا، ولكن ما يهمّنا في هذا السياق هو المقال الذي نشره بالفرنسية في مجلّة مقاليد التي تصدرها الملحقية الثقافية السعوديّة بباريس الذي تناول فيه مسألة تدريس اللغة العربية في فرنسا.

أحدث هذا المقال ضجّة في الأوساط الأكاديمية الفرنسية المنشغلة بتعليم اللغات ومصيرها ولدى المهاجرين العرب، بما في ذلك المتمتّعون منهم بالجنسية الفرنسية الذين يعدّون بالملايين وتمثّل العربية، لغتهم الأم ويودّون أن تحظى بالمكانة اللائقة بها في النظام التعليمي الفرنسي، بحيث لاقى مقال فؤاد لعروسي هوى في نفوسهم، لكونه يضع الإصبع على الداء ويشخّص حال التهميش واللّامبالاة الذي وصل إليه واقع العربيّة في هذا البلد، داعيا السلطات الفرنسية أن تنهض بهذه اللغة بتدريسها في المدارس والمعاهد الفرنسية أسوة باللّغات الحيّة الأخرى التي تحمل إرثا حضاريّا وإنسانيّا خالدا.

المفارقة الكبرى التي وقف عليها الكاتب هي بين الموجود والمنشود، بين ما عليه اللّغة العربية وما ينبغي أن تكون عليه في النظام التعليمي الفرنسي، خاصة أنّ لفرنسا تقليد عريق في تدريس اللّغة العربيّة، فهي أوّل بلد في أوروبا الغربيّة أحدث كرسيّا أكاديميّا لتدريس هذه اللّغة في المعهد العريق المعروف بـ”كوليج دو فرنس”. وأسّست عام 1530 في عهد لويس الرابع عشر مدرسة الشباب للّغات التي تحوّلت بعد ذلك إلى معهد اللّغات الشرقيّة وكانت اللّغة العربية في هذه المؤسّسة تحظى بمكانة الشرف. ومن ثمار هذا التقليد أن ظهر مختصون فرنسيون كبار في اللغة العربية وآدابها وحضارتها أشعّوا بعلمهم على العالم مثل شارل بيلا، وريجيس بلاشار وأندري ميكال وجاك بيرك وغيرهم.

ورغم أنّ العربية كما يتضح عريقة في المدارس الفرنسية، علاوة على أنّها تمثّل اللّغة الثانية اليوم في فرنسا حيث يتحدّثها بالفصحى والعامية حوالي 4 ملايين نسمة، ووقع الاعتراف بها رسميّا عام 1999 باعتبارها لغة فرنسا، فإنّ تعليمها في المؤسّسات التربويّة الرئيسيّة الآن في طور الاضمحلال وذلك بشهادة العديد من الأكاديميين الفرنسيين الذين اهتمّوا بها في أبحاثهم، بحيث يكفي النظر في عناوين مقالاتهم للتأكّد من الواقع المزري الذي تردّت فيه لغة الضاد مثل “لغة طردت من الفصل”، و“لغة لا تحبّها المدارس” لنفس الكاتبة بريجيت بيروكا، و“لغة وقعت التضحية بها” لايمانويل تالون، و“اللّغة المنسية في التربية الوطنية” لبيار ديكاسن.

فصّل الأستاذ لعروسي القول في توصيف الحالة المتردّية التي عليها هذه اللغة في الابتدائي والثانوي، ففي الابتدائي لا يخضع تعليم هذه اللّغة للنظام التربوي الفرنسي وإنّما ترك لمعاهدات أجرتها فرنسا مع تونس والجزائر والمغرب لإرسال معلّمين يدرّسونها لأطفال ينحدر آباؤهم من هذه البلدان دون أيّ رقابة بيداغوجيّة وعلى هامش دروسهم في المدارس الفرنسية وفي أوقات راحتهم وهو ما يستنكره المختصون التربويون الفرنسيون الذين يريدون إقناع وزارة التربية الفرنسية بتحمّل مسؤوليتها وإدراج تدريس العربية في التعليم العمومي تحت رقابتها أسوة باللغات الأسبانية والإيطالية والبرتغالية التي رفضت البرتغال على خلاف البلدان العربية الثلاثة توقيع معاهدة تتحمّل بمقتضاها عبء تدريسها خارج أراضيها.

وفي التعليم الثانوي ليس الأمر أحسن حالا، فالميزانية المرصودة لتعليم العربية في المعاهد زهيدة للغاية ولا تسمح بانتداب أساتذة أكفّاء، علاوة على أنّ وضعية أساتذة العربية “تبعث على القلق” على حدّ تعبير المختصين التربويين فأغلبهم معوّض ولا يمتلك تكوينا بيداغوجيّا للتدريس، هذا علاوة على الإهمال المتعمّد لهذه اللّغة، فإذا ما حدث أن توجّهت إدارات التعليم الفرنسية بنداء يحفز مديري المعاهد على وضع خطط لتدريس العربية، فإنّ الكثير منهم لا يلتزم بذلك لأسباب إيديولوجية وسياسية لا علاقة لها بالتربية.

نتيجة لهذا الإهمال ترك تدريس العربية للجمعيات الأهليّة وهي كثيرة في فرنسا، ودون أن يغفل لعروسي الدور الإيجابي الذي تقوم به أغلب الجمعيات في النهوض باللغة العربيّة وتدريسها، وملء الفراغ الذي كان من المفروض أن تملأه الدولة الفرنسية، فإنّ بعض الجمعيات تستغلّ تدريس اللّغة العربية لحشو أدمغة التلاميذ خاصة من أصول عربية وإسلاميّة بأفكار متشدّدة، وفي أحسن الحالات يتحوّل تعليم اللغة العربيّة إلى خيار فئوي يزيد الانغلاق على الذات والتقوقع داخلها، ما يعيق الاندماج بصفة إيجابيّة في المجتمع الفرنسي.

يعزو الأستاذ فؤاد لعروسي الإهمال المتعمّد للغة العربية في فرنسا لأسباب إيديولوجية وسياسية ويسوق شهادة لبرونو لافالوا الذي عمل لسنوات متفقّدا عاما للغة العربية في المدارس والمعاهد الفرنسية الحكوميّة يقول فيها “ينظر إلى اللغة العربيّة في فرنسا بوصفها لغة مهاجرين ومن ثمّة يسهل إلصاقها بالأحياء المغلقة وبالقومية العربية وبالإسلام وتبعا لذلك لا يمكن لأيّ مسؤول فرنسي أن يفكّر في النهوض بتدريسها في المدارس والمعاهد الفرنسيّة دون أن يتعرّض إلى عراقيل”. لقد شهد شاهد من أهلها والشاهد ليس إلا مستعربا فرنسيا سعى لعقود أن ينهض بتدريس اللغة التي تعلّمها منذ صباه وأصبح المشرف التنفيذي الأوّل على تدريسها أمام وزارة التربية الفرنسيّة.

غير أنّ أستاذ الجامعات الفرنسية عربي الأصل وإن أقر بأن تدريس اللغة العربية على الهامش وقد يستغلّه البعض لتمرير الأفكار المتشدّدة التي من شأنها أن تهدّد الوحدة الوطنية الفرنسية، فوقوف وزارة التربية في هذا البلد على الربوة وتقاعسها عن تحمّل المسؤولية يزيد الطين بلّة ويفسح المجال أمام تدريس العربيّة لغايات غير علميّه دون أن يفوته التأكيد على أنّ لغة الضاد التي يريد أن يربطها البعض بالدين فقط وتبعا لذلك بالتطرّف الإسلامي، إنّما هي قبل كلّ شيء لغة آداب وشعر وعلوم وفلسفة نقلت للعالم لفترة طويلة عصارة الفكر الإنساني في الطب والرياضيات والفلك والهندسة والكيمياء وغيرها من العلوم ولذلك فإنّ مواصلة تهميشها بهذه الحجّة لا سند علمي وتاريخي له.

الأستاذ لعروسي في مقاله يضع من موقعه الأكاديمي باعتباره مدافعا عن التعدّدية اللغوية في فرنسا وفي العالم الحكومة الفرنسية أمام مسؤولياتها. ولكن ما هي مسؤولية الدول العربيّة، لا سيما بعضها الذي يملك في فرنسا استثمارات بملايين الدولارات. أليس من واجبها الاستثمار في دعم تدريس اللغة العربية في القطاع الخاص برعاية من وزارة التربية الفرنسيّة، مواصلة لإشعاع العرب في أوروبا من زاوية لغتهم، لغة الأدب والثقافة والعلم بعد أن تشوّهت صورتهم بفعل التطرّف الديني؟

17