اللغة العربية في مفترق طرق

الخميس 2017/12/21

في تعليق على تدوينة في الفيسبوك عن جواز ترجمة الأعمال الأجنبية إلى العامية التونسية، كتبت إحدى السيدات ردّا بالعامية نفسها ولكن بأحرف لاتينية لا تكاد تُفهم، وختمت كلامها بما معناه “الكتابة في متناول الناس أجمعين، وليست حكرا على أحد”. وفي تعليق على ندوة أقيمت في صفاقس بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية بعنوان “لغتي هويتي وانتمائي”، نبه أحد الأدباء إلى خطأ ورد في نص التقرير الختامي، حيث استُعمل فعل متعدّ بحرف غير الحرف المناسب، داعيا إلى توخي الدقة حتى “لا نعيب على غير الضالعين والعيب فينا”، فجاءه الرد من أحد المنظمين وهو أستاذ محاضر بكلية الآداب في المدينة نفسها “وما ضرّ أن نستبدل حرفا بحرف”، وفي رأيه أن حماة العربية بهذه الطريقة يساهمون في قتلها.

هذان المثالان يلخصان وضع العربية اليوم، فهي بين الاستهتار والاستهانة، بين أشباه أميين يجهلون اللغة وقواعدها وأساليبها ويصرّون رغم ذلك على الكتابة، لا سيما في هذا العصر الرقمي الذي أشرع أبواب القول للجميع، فإذا هم كمن يجادلون في الله بغير علم؛ وبين متعلمين يمارسون اللغة، وأحيانا يدرّسونها، ويستهينون رغم ذلك بأبسط قواعدها، بل يعترضون على من يصوّب أخطاءهم اعتراضا قد يبلغ مبلغ التباغض والمعاداة. وبذلك انتهكت العربية، فلم تعد الأخطاء مقصورة على اللحن أثناء النطق، بل تعدّتها إلى المكتوب، في شتى المستويات. كذا في وسائل الإعلام والمدارس والمعاهد والجامعات، ولم تسلم منها حتى كتب الأدباء والشعراء والنقاد والمترجمين.

فكيف يمكن أن نحتفل بلغة تعاني الأمرّين، من أبنائها أنفسهم؟ ومن أين نأتيها بالعلاج وأهلها عازمون على تفتيت جسدها، كما هي الحال في تونس، حيث يتم تدميرها بشكل ممنهج، لتعويضها بلغة أقرب إلى المالطية؟ هل نكل أمر إصلاحها لليونسكو، والحال أن جهودها لا تخرج عن الاحتفال بتاريخ صدور قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يقر اعتبار العربية لغة رسمية في الهيئات التابعة للمنظمة الأم؟ أم للمجامع اللغوية والجميع في غنى عما يقترحه علماؤها، حتى باتت أشبه بأنشطة بيروقراطيتنا العربية، تراوح مكانها في رتابة مملة؟ أم لوزارات التربية والتحصيلُ المدرسي لتملُّك اللغة في تراجع مستمر؟

من السهل أن نرفع عقيرتنا كل عام لنُعلم من لا يعلم أن العربية من أقدم اللغات السامية، ومن أكثر اللغات العالمية انتشارا، واستخداما في الإنترنت، وأنها مقوّم أساس من مقوّماتنا الحضارية، ولكن من الصعب أن نطوّر قواعدها وأساليبها ومناهج تدريسها، لأن ذلك يمر عبر إصلاح جذري يشمل نحوها وصرفها ورسم ألفاظها وقاموسها على غرار اللغات الحية في العالم، فلا يعقل أن نبقى مشدودين إلى ما أقرّه القدامى في عالم لا يني يتطور. بيد أن ذلك سوف يصطدم بالعائق الأكبر، أي ارتباط لغتنا بالنص الديني بخاصة، وبالتراث بعامة، ما قد يجعل الوصول إليهما ضعيفا، أو حكرا على المتخصصين، على غرار علاقة الطليان والفرنسيس والإسبان والبرتغاليين باللاتينية اليوم. وسوف يصطدم أيضا بعائق آخر لا يقل عن الأول أهمية، وهو تعدد الأقطار العربية ما يجعل الموقف من الإصلاح الجذري الشامل متباينا بين قطر وآخر، أو مرفوضا جملة وتفصيلا حتى وإن صدر عن الألكسو.

وفي رأينا أن اللغة العربية في مفترق طرق، إما أن تطوّر معجمها وقواعدها لتنخرط في الحداثة شأن اللغات الحية، وإلا فسوف يؤول بها انحدارها الحالي إلى الانقراض.

كاتب تونسي

15