اللغة العربية والإعلام.. ومن الحب ما قتل

الجمعة 2017/02/10

تعتبر اللغة العربية أصدق سجل لتاريخ الشعب العربي، لأنها أداة الحاضر وصورة التاريخ، ومنها تقتبس الألوان الحضارية والاجتماعية الدالة على القيم والثقافات. وهي تحظى بأهمية بالغة، بالنظر إلى الدور الذي تمارسه في التواصل الاجتماعي، وهي ليست بدعا من اللغات وإنما هي أصدقها شاهدا على هذا الانعكاس والتأثر.

وإذا كان للإعلام هذا الأثر الكبير في الحياة اللغوية والثقافية، فإن أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية حين تلتزم العربية السليمة فهي أحسن مصدر لتعليم اللغة ومحاكاتها، والتقريب بين اللغة السليمة واللغة المحكية. وهي من أصلـح اللغات، ذلك لأنها تتمتع بالدينامية أو الحركية التي تجعلها أصلح اللغات لطبيعة الإعلام. ولكن ومن مفارقات هذا الزمن، أن اللغة العربية كانت تعامل باحترام كبير حين كانت الأمية سائدة في مجتمعاتنا، حيث شملت ما متوسطه 80 بالمئة من السكان، وحين كانت أوضاعنا الثقافية ووسائل الطباعة والنشر والاتصال أكثر تواضعا بكثير مما هي عليه الآن، ولكن حين تراجعت نسبة الأمية، وتقدمت وسائل الطباعة والنشر، لقيت اللغة العربية ذلك المصير البائس الذي صرنا بصدده، وبالذات في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. بل إنها مع الأسف تجابه حربا في أماكن كثيرة، وتعاني من عدم التوقير.

ودور أجهزة الإعلام أنها تحرك الساكن في بحيرة اللغة، وتجعلها حية وقادرة وحافلة بالإمكانيات في التعبير والتصوير مستجيبة لكل دواعي الحياة الجديدة ومتطلباتها، ومعلوم أنه خلال العقد الأخير من القرن الماضي، والعقد الأول من القرن الحالي، عرف العالم العربي انفتاحا إعلاميا غير مسبوق، تمثّل أساسا في التطور المهول الذي لحق قطاع الإعلام. ويتفق جميع خبراء اللغة العربية على شيوع الأخطاء النحوية في العربية الفصحى المستخدمة في الإعلام، والتي هي ركيكة في الأساس. وتتمثل هذه الظواهر في شيوع الكتابة بالعامية في المقالات والإعلانات، وأما الحديث بها في البرامج التلفزيونية والإذاعية، فلم يعد يلفت الانتباه للأسف، إضافة إلى كثرة استخدام المفردات الأعجمية، بل إن مجلات وبرامج إذاعية وتلفزيونية، تحمل عناوين أعجمية، مكتوبة بالأحرف العربية. فنسمع عن برنامج باسم “زوم” وآخر عنوانه “فلاش شو” وثالث بعنوان “ويك إند”، إلخ. وهناك ظاهرة التسكين، وهي ظاهرة مألوفة منذ زمن طويل. فاللغة العربية تجيز الوقف، ولكن التسكين في وسائل الإعلام بلغ حدّا غير مقبول، كما مدّدت المفردات والتعبيرات الإنكليزية والفرنسية في رحاب المذيعين وأساليبهم، وتلونت طرائق نطقهم وتنغيمهم ونبرهم بأساليب واستعارات تعود إلى هذه اللغات، وباتت الأدوات اللغوية المستخدمة اليوم تشكل مزيجا هجينا يغرف من كل منهل من دون أن يحمل بالضرورة ملامح شخصية البيئة الثقافية والاجتماعية التي يُفترض به أن يتوجه إليها. وربما يعود هذا الأمر إلى العصر ومتطلباته المرتبطة بمزاج المتلقي وثقافته الاجتماعية، وضعف التكوين اللغوي، والنظرة الدونية إلى اللغة العربية، والنظرة الفوقية للغات الأجنبية. فالقضية إذن هي لغوية وثقافية واجتماعية.

في الماضي كان المذيع يعتذر إذا أخطأ، وإذا لم يعتذر، فإنه على الأقلّ يصحح الخطأ بطريقة تدل على الاعتراف به، مستعملا كلمة “بل” أو ما شابهها. أما جيل الإذاعيين الصاعد فإنه حين يدرك أنه أخطأ يلجأ إلى “أو” متبوعة بالكلمة المصحّحة، كأن لا فرق بين الخطأ والصواب.

ومع ذلك علينا أن نعترف أيضا إن وسائل الإعلام التي نتحدث عنها تستحق منّا أن نعترف لها بالكثير من الفضائل على اللغة العربية، أهمها وأبرزها أنها استطاعت إحياء الفصحى أو الفصيحة على الأقل، بعدما كانت مهددة بالدعوات المغرضة المشبوهة والداعية إلى إحياء اللهجات العامية، فماتت تلك الدعوات البغيضة، التي كانت فرص نجاحها كبيرة، لولا جهود الصحافة العربية، التي تكون أحيانا متقدمة على المجامع اللغوية، فبفضلٍ من هذه الوسائل الإعلامية كانت المظاهر الإيجابية تتمثل في وَحْدة العربية وانتشارها بين طبقات وفئات المجتمع، وتقريب بين اللهجات والمستويات اللغوية، وتنمية الثروة اللغوية. لكن هذا لا يعفي وسائل الإعلام من أن تفهم اختيار اللفظ والعبارة ومراعاة الكلمات الصحيحة التي تستطيع الجماهير استيعابها وفهم مقاصدها.

والذين يتكلمون بالعامية في وسائل الإعلام، أو يلغون الإعراب بتسكين أواخر الكلمات، هم شركاء في دكّ عرش الفصحى، ويمهدون للتشرذم الثقافي والمعرفي في الوطن العربي.

أن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، وبعض المحطات الإعلامية لا يهمها قلب ولا لسان، وإنما يهمها وجه صبيح وشكل مليح وثوب جميل، فهي تخاطب عيون الناس لا عقولهم!

كاتب من العراق

18