اللغة العربية وسطوة ابن العصر

الأربعاء 2015/02/25

تجد اللغة العربية نفسها اليوم مُزْهوّة بتداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي هي بالأساس نتاج الغرب، وحزينة في الوقت ذاته من حلول اللهجات المحلية، التي تبيّن خصوصية المجتمعات العربية من حيث درجة الاختلاف دون الاتفاق، والتباعد بدل التقارب، بل إنها تعاني من صعوبة في التكيّف بشكل نهائي مع تلك الوسائل، وفي داخل قلوب كثير من أبنائها غصة وألم لعدم توفر إجابة لسؤال: أليست لغتنا الأَوْلى بطرح وسائل للتواصل الاجتماعي، بدل أن تستسلم لتلك الوسائل، التي ترجح كفة اللهجات المحلية على حساب اللغة العربية الفصحى؟

مهما يكن، فإن غياب صفة المنقذ عن اللغة العربية، لم يحل دون تحقيقها لنتائج ترجوها من التحفز والمواجهة فقط، ولكنها ألقت بظلال من الشك والحيرة على المتحدثين بها، خاصة أولئك الذين يشاركون يوميا بالكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تناول مختلف القضايا، خاصة المحرّمات في السياسة وفي الدين وفي المجتمع، فانتهوا، إما رغبة في الاختصار أو لشعور بالعجز في التعبير، أو تقليلا وتقليصا من الزمن، إلى إدخال الأرقام ضمن القاموس اللغوي، وبذلك اختصروا بعض الحروف في أرقام من خلال التعبير بلغة أخرى، مثل استعمال رقم 3 بدل حرف العين، أو الرقم 7 بدل حرف الحاء في الكتابة باللغة الإنكيلزية، حيث الحروف لاتينية والمعنى عربي، وذلك ضمن كتابة جديدة تسمّى الكتابة بالأربيزي.

تلك أحد مظاهر تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على اللغات، ومنها اللغة العربية بطبيعة الحال، ومن هنا نشأت مخاوف بعض الباحثين بخصوص الدور المستقبلي للغة العربية، ولتلك المخاوف ما يبررها من الناحية العمليةّ، قياسا على تجارب سابقة في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، حيث التراجع الظاهر في كل الدول العربية نتيجة انخفاض مستوى التعليم، وتراجع سلطة الدولة، وتعمّق الهوة بيننا وبين الغرب لجهة إنتاج المعرفة في كل المجالات، وتبعا لذلك يصبح مقبولا ومطلوبا، خبريَّا ولغويًّا، ما يكتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

والقول السابق يكشف عن أن للإعلام سطْوته المرتبطة بمرحلته التاريخية، فهو ابن زمانه وعصره من جهة، والفاعل فيه من جهة أخرى، وبهذا المعنى يقول جلال أمين، في كتابه “محنة الدنيا والدين في مصر”، موضّحا تجربة الإعلام في بلاده من ناحية التأثير “إذا رجعنا في الزمن نحو نصف قرن نجد أن سطوة وسائل الإعلام على أفكار الناس كانت أقل بكثير مما هي عليه اليوم، قارن مثلا بين الدور المتواضع الذي لعبته وسائل الإعلام في السنوات الأولى لثورة 1952، حيث لا يوجد تلفزيون، والصحف والمجلات محدودة التوزيع، والراديو نادر جدا في القرى، وبين الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه وسائل الإعلام في ثورة 2011، حيث التلفزيون مفتوح في كل بيت، ولا يكف عن الثرثرة، ويبثّ الصور المثيرة مصحوبة بالموسيقى الحماسية، والصحف القديمة والجديدة تتبارى في كسب القراء وإثارتهم في اتجاه أو آخر.. إلخ”. وينطبق ما ذهب إليه جلال أمين على وسائل التواصل الاجتماعي في ثورة يناير المصرية، وقبلها ثورة تونس ضد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، حيث كانت هي الوسيلة الأكثر نجاحا، ولا يزال لها تأثيرها إلى الآن.

سطوة الإعلام تلك هي التي تمد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالقوة، وهي أيضا التي تجعل المهتمين باللغة العربية يتخوَّفون من المصير الذي ستؤول إليه اللغة العربية الفُصْحى، خاصة بعد أن أصبحت الكتابة تعتمد اعتمادا شبه كلي على اللهجات العامية، وهم في حقيقة الأمر يتناسون، أو يحاولون التغطية على ما في الحياة الاجتماعية، قبل الواقع الافتراضي، من سلبيات، فضعف اللغة المستعملة وعدم الالتزام بالقواعد النحوية والإملائية هو نتيجة حتمية لانخفاض المستوى التعليمي والثقافي، وهو قبل ذلك ضعف سياسي للدولة القطرية وتراجع للهوية القومية.

وباختصار فإن اللغة أو اللهجات المستعملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هي انعكاس للواقع العربي بشكل عام، ومع ذلك كله فإن هناك فائدة تحققت بفضل تلك الوسائل، وهي تعايش الفصحى مع العامية على مستوى الكتابة الإلكترونية، وهو ما عجزنا عن تحقيقه سابقا من خلال النصوص المكتوبة، حيث سببت خلافات فكرية وصلت إلى درجة الخصومة في بعض الدول العربية منها مصر ولبنان والجزائر، حين دار النقاش حول الكتابة بالعامية بدل الفصحى.

غير أن بعض الباحثين يرى خلاف الرأي السابق، من ذلك ما ذهب إليه جمال سند السويدي في كتابه وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات، بقوله “الحقيقة أن اللغة العربية الفصحى لا تواجه تهديدا من انتشار اللغة الإنكليزية فقط، بل يمكن القول إن انتشار العامية العربية أو اللغات الدارجة هو التهديد الأخطر أو الآتي على اللغة العربية الفصحى أيضا، لدرجة أنه لا أحد يستطيع الجزم بما ستؤول إليه، والمدى الزمني الذي ستبقى فيه مستويات المحافظة على تعلّمها قائمة”.

القول بتهديد العامية للفصحى ليس جديدا من ناحية طرحه، فقد سبق أن شكّل خلافا بين النخب العربية، واليوم تكاد اللغة العربية الفصحى أن تسلّم بالواقع في مجالات الإعلام المختلفة، رغم موقف النخبة المدافعة عنها، وهو ما نراه حاليا في وسائل الإعلام عبر المسلسلات التليفزيونية والأغاني، إذ تراجعت اللغة العربية كثيرا، مقابل زيادة الألفاظ الإنكليزية في الحوار اليومي وعلى ألسنة مقدمي البرامج الإعلامية.

هكذا ورثت وسائل التواصل الاجتماعي تركة ثقيلة من وسائل الإعلام الأخرى، فهي ليست جلادا فقط، ولكنها ضحية، وبغض النظر عن تقييمها من ناحية دورها في تثبيت اللهجات العامية، فإنها انتهت بنا إلى تمييز واضح بين دورها ودور الفصحى في انتشار المعرفة وبث الوعي والتعبير بحرية، وبفضلها تمكّن العرب من تحويل المشهد اللغوي العربي إلى حال من التعايش بين الفصحى واللهجات، وهو في نظر البعض إنجاز شرط أن يتخلّص من الكلمات البذيئة.


كاتب وصحفي جزائري

9