اللغة الفصحى ولهجات الشعب

الجمعة 2015/11/27

مصطفى صفوان مثقف مصري مهم له تأثير لافت في الأوساط الفكرية الغربية، وخاصة في حقل التحليل النفسي الأوروبي/ الغربي، ولكنه غير معروف كفاية في الأوساط الثقافية العربية الشعبية والأكاديمية. لكن بفضل ترجمة بعض كتبه من الفرنسية إلى اللغة العربية بدأت أفكاره تتسرَب إلى أوساط النخب المثقفة.

ومن بين القضايا المهمة التي استرعت انتباهي في كتاباته، تبرز قضية كبيرة حاول صفوان ولا يزال يحاول معالجتها في عدد من أبحاثه ومقالاته وهي قضية دور اللغة في تكوين الثقافة وبناء الحضارة، ويبدو واضحا أن مصطفى صفوان يتمسك بقوة بفرضية مفادها أن اللهجات العامية هي أكثر تعبيرا عن الشعب من اللغة العربية الفصحى، التي يرى بأنها منفصلة عنه، ويبرر هذا بقوله إنه يمكن أن “تتيح الدراسة لأحدهم معرفة بنية لغة ما، إلّا أن البنية ليست هي اللغة، كما يمكن مقارنة من يتعلم لغة معينة، بذاك الذي يمكن أن يقول شيئا بصدد فن الخياطة، دون أن يمتلك كفاءة الخياطة هو ذاته”.

في هذا السياق نجد صفوان يستند إلى قول ابن خلدون لكي يقنع القارئ بحجته “إن هذا المتعلم لديه معرفة بملكة الكلام، ولكنه يفتقد هذه الملكة ذاتها”. وأكثر من ذلك فإن صفوان يعتقد أن جميع البلدان التي ولدت فيها اللغات الفصحى عبر التاريخ، تنتشر فيها الأمية الآن، ومن بينها مصر. وبسبب هذا كله يعتبر أن الشاعر أدونيس، مثلا، يكتب بلغة ميّتة وهي العربية الفصحى، وجرّاء ذلك أعلن هو أن “هذا المثال من الكتابة بالعربية الفصحى هو ما دفعني منذ ذلك الحين إلى ترك الكتابة بالفصحى، والتحوّل إلى الكتابة بالعامية المصرية. وهكذا يتضح سبب اختيار ترجمة عطيل بالعامية المصرية: أي إتاحة الفرصة أمام الشعب لقراءة مؤلفات الكتّاب الكبار باللغة التي يتعلمها في المهد، والتي يقضي حياته، منذ الميلاد حتى الممات، يتحدث بها”.

ثم يسوق مثالا آخر لكي يرسخ حجته في شكل السؤال التالي “من يمكنه أن يتصور مصير أوروبا لو بقيت اللاتينية لغة الأدب، العلم، الفلسفة واللاهوت؟”.

وهنا نتساءل مع الدكتور مصطفى صفوان: هل كان بمقدوره أن يترجم كتابه “البنيوية والتحليل النفسي” إلى اللهجة العامية التي لا تملك المصطلح الخاص في هذين الحقلين المعرفيين دون طمسهما معا؟ ولماذا لجأ الدكتور صفوان نفسه إلى العربية الفصحى حين ترجم كتاب هيجل “فينومينولوجيا الروح” ولم يلجأ إلى اللهجة الدارجة التي تخلو من الكفاءة الاصطلاحية الفلسفية؟ ثم، فهل يمكن لنا ترجمة كتاب نقد العقل المجرد، أو كتابات إسحاق نيوتن الفيزيائية، أو مقدمة ابن خلدون في علم اجتماع الحضارة إلى اللهجة العامية ونحافظ في الوقت ذاته على فرادة وخصائص لغة العلم والفكر؟

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15