اللغة القاتلة

الخميس 2013/11/21

على وزن الهويات القاتلة لأمين معلوف، يمكن لنا، نحن السوريين خاصة التحدث عن اللغة القاتلة، فإذا كان خوان رولفو في رائعته "بيدرو بارامو" قد قتله الهمس، نستطيع أن نقول أن السوريين، قتلتهم اللغة أيضا، وهذا القتل يُضاف إلى القتل المادي المصحوب بالرصاص والطيران وكل وسائل الحرب التي شنها النظام على شعبه.

أما القتل باللغة، فهو ذلك اليباس والتحجر اللغوي، حيث ثبات المعنى، وسُباته معا، إذ اختنق أغلب السوريين في "كليشيهات" لغوية صارمة، تنتمي إلى عصور سابقة، وتجارب لا تمت بصلة إلى التجربة السورية الخارقة فعلا؛ كأن تكتب نصا يعبر عن تجربة جديدة، غير مألوفة، بلغة قديمة، منفّرة، هذا ما حدث لأغلبنا.

إذا أردنا أن نبرهن على "قتل اللغة لنا"، ربما علينا أن نأخذ بعض الأمثلة، ولأن المجال لا يتسع للدرس الأكاديمي، فربما نعبر سريعا على خطابات السوريين بكل فئاتهم، خطاب النظام من ناحية، وخطاب المعارضة، وخطاب المثقفين أو النخبة، مع التحفظات الشديدة على المصطلحات، وأخيرا، خطاب الشعب، وهذا الأخير هو المعوّل عليه، وهو الرهان الوحيد، والمختبر الحيوي القادر على إفراز لغة مُحيية، مضادة للغة القاتلة.

فخطاب النظام مثلا، ثابت ومتكلّس ومحدّد في تيمات قليلة، يتمّ الاشتغال عليها في دائرة صغيرة، وإن خلا من التميز والإبداع، إلا أنه مقنع أحيانا للعالم الغريب خاصة، بما يحمل من مواصفات تركيزية واضحة، براغماتية، تذهب إلى الهدف مباشرة، تُشعر القارئ او المستمع، بعدم جدواه، ومراوحته في المكان، إلا أنه يرتكز على قيم مقبولة عالميا، ويصعب رفضه لغويا.

فهو الأقرب إلى خطاب التناقض الأخلاقي المشار إليه وفق صيغ فكرية متعددة، أقربها ربما ما يشير إليه سارتر بتعبيره عن "المومس الفاضلة"، وبتحفظ أيضا على ربط المومس بالمرأة، إلا أن هذا النوع من الخطاب، الذي نعرف فراغه الأخلاقي، ولكننا لا نستطيع دوما كسره، لغياب الخطاب النقدي المعاكس، التحليلي، المُبدع، وهذا يعني التحدث عن خطاب المعارضة.

فخطاب المعارضة التعددية، أفرز أيضا عدة لغات، مابين الخطاب العاطفي التجييشي، الأقرب إلى العسكري، والخطاب الشعبوي الحالم، المدجج أيضا بلغة شاعرية، مجازية، غير مندمجة مع الواقع، لا بل ومنفصلة عنه، وبسبب كثرة وتداخل أحيانا جهات المعارضة، وتداخل خطاباتها المتعددة، نشأ ثمة خطاب مشوّش، نفّر الجمهور المتلقي، وخاصة الشباب منه، إضافة إلى أنه خلق بلبلة ذهنية لدى الآخر والذات معا، لعدم القدرة على الابتكار اللغوي، لا الشكلي بالطبع، بل المرتهن إلى عمق فكري، فاللغة كما يعرف الجميع، وسيلة فكرية، وهي بالتالي استجابة لعمق معرفي، وليست مجرّد أداة خارجية تعبّرعن شكل فقط.

إن عدم وجود الحرية لدى الطرفين، النظام والمعارضة معا، وبسبب تمسك النظام من جهته بأدواته الثابتة، ورفضه العميق والباطني للحرية، فرفض بالتالي التغيير اللغوي العاكس للتغيير الإيديولوجي، وبالنسبة للمعارضة، فإن تجربة القمع الطويلة، وغياب الفرصة لممارسة الحرية، والافتقاد إلى التنظيم، وأسباب أخرى تحتاج إلى جلسات بحثية، أنتج كل هذا، خطابا براغماتيا خاليا من المعنى لدى الطرفين، وإن بدرجات متفاوتة، جعلت القارئ أخيرا يجد نفسه متلقيا لمفردات وتيمات لغوية لا تختلف بين النظام والمعارضة.

أما لغة الشعب، فهي وحدها التي نجت في جزء منها.. حيث انقسامات لغوية متعددة، بين لغة الطبقة المتعلمة، ولغة الفئة الشعبية الواسعة التي لم تتعلّم بدرجات عليا، ولغة الطبقة الموهوبة أصلا كتجربة غير متكلّسة، ومثاله السريع والتلقائي هنا تجربة اللافتات وشباب كفرنبل.

14