اللغة المتحجرة والمحسنات البديعية

الاثنين 2016/08/08

هل يمارس الأديب سلسلة وصفية من التغنّي باللغة وعبرها، لتكون وسيلته إلى استعارة صور حيّة من الواقع، بحيث تكون استعارته حيّة عن واقع نابض بالتجدّد والحياة؟ أين موقع المحسنات البديعية في الخطاب الأدبي؟ هل تشبه موضع الاسم من الجسم كما قد يخطر للبعض؟ ألا تساهم الاستعارة في توسيع ميدان الكلمة ومنحها دلالات إضافيّة؟ هل هناك لغة متحجّرة وأخرى حيّة؟

هناك من يعتقد أنّ اللغة فقط هي رأس مال الأديب، وذلك في مسعى لعزله عن واقعه، وإبقائه رهين قوقعة متخيّلة قوامها هيكل مفترض من الكلمات، في الوقت الذي يكون ذلك على حساب التجربة الإنسانيّة الثرّة، وعلى حساب الانكفاء عن متابعة الجديد في ميادين العلوم والمعارف والتكنولوجيا، لأنّ اللغة/ التجربة التي لا تستعير أدواتها من واقع حياة كاتبها، وتعيد رسم ذلك الواقع بناء على استعارات حيّة، وتشابيه ومحاكاة، تظلّ هي الرازحة تحت أعباء التقوقع والتحجّر والجمود.

أشار الفرنسي بول ريكور (1913 – 2005) في كتابه “الاستعارة الحية” إلى أن التدرج من حقل معرفي إلى آخر يتبع خطوات الكيانات اللغوية المقابلة، أي الكلمة فالجملة ثم الخطاب. واعتبر أن بلاغة الاستعارة تعتبر الكلمة وحدة مرجعية. وتبعا لذلك تصنف الاستعارة من بين محسنات الخطاب المتحققة في كلمة واحدة، وتحدد باعتبارها مجاز مشاهدة، وباعتبارها محسنا.

اعتقد ريكور أن وظيفة مفهوم الطبيعة في عبارة محاكاة الطبيعة هو الاستخدام كمؤشر على هذا البعد من الواقع، هي التي لا تنسجم مع مجرد وصف ما هو معطى هناك. واعتبر أن تقديم الناس بوصفهم فاعلين وكل الأشياء في حالة فعل، ذلك قد تكون الوظيفية الأنطولوجية، للخطاب الاستعاري. واعتقد كذلك أنه في هذا الخطاب، تظهر كل الطاقات النائمة للوجود، مثل انبثاق وكل قدرة خفية للفعل مثل تحيين. ويصرح بأن التعبير الحي هو ما يعبر عن الوجود الحي.

سعى ريكور من أجل تفسير الاستعارة إلى تفعيل نفس آلية التبادل بين الكلمة والجملة الذي يجده مشتغلا في حالة التعدد الدلالي. وذكر أنه من الممكن صياغة هذه الآلية تدريجيا في منطق ملفوظ وفي منطقة كلمة، وأن التحليلين لا يصبحان متكاملين وحسب، بل يصبحان نديين. ويقترح إمكانية كتابة أن الاستعارة هي وليدة نقاش بين الإسناد والتسمية، وإن موقعها في اللغة هو بين الكلمات والجمل.

ربما تكون اللغة المتحجّرة في الأدب هي تلك التي تحاول نقل الأحداث والمجريات بطريقة تسجيلية، من دون إضفاء روح الأدب عليها، وقد توصَف هذه اللغة بأنّها مطلوبة للصحافة، باعتبارها تسعى إلى اعتماد الأمانة في الوصف من دون إسباغ أيّ استعارات شعريّة أو أدبيّة، لكن هل يصحّ هذا على عالم الأدب؟ ألا يكون الأدب بقدر انعتاقه عن قيود الجمود مجنّحا في فضاءات الإبداع؟

كاتب من سوريا

15