اللغة لا تكتسب إلا في أسرة توفر بيئة لغوية محفزة

الثلاثاء 2013/09/03
قدرة الطفل على تقليد الآخرين تساعده في ترديد النماذج اللغوية

بعد أن ترزق الأسرة بمولود جديد تتابع نموه وما يصدر عنه من تصرفات بكل شغف، ولعل من أجمل اللحظات التي يمر بها الوالدان في حياتهما تلك التي يسمعون فيها أول كلمة ينطق بها طفلهما مهما كانت طريقة نطقها أو معناها.

عادة عندما يكون الطفل في سن الأحد عشر شهراً أو أقل قليلا، ينطق أول كلمة وبعدها يحدث تطور تدريجي وسريع في كلامه، ويعبر الطفل مراحل متعددة وصولا إلى مرحلة القدرة على تكوين جمل طويلة ومركبة من عدد كبير من الكلمات باستخدام كلمات مفهومة تسمح له بالتواصل مع محيطه.

لكن بعض الأطفال قد يخفقون في اكتساب اللغة، فينطقون الكلمة الأولى في سن الثلاث سنوات أو حتى بعد ذلك وقد يصل الطفل إلى سن الست سنوات وقدراته اللغوية لا تزيد عن بضع كلمات بسيطة يستعملها في مختلف المواقف.

وحسب أطباء الأطفال فعند الحديث عن اضطراب اللغة التعبيري يمكن أن نقصد جميع المظاهر التعبيرية أي القدرة على تكوين الكلمات واستخدام القواعد الصوتية " "phonologyواستخدام قواعد النحو والصرف والقدرة على استعمال اللغة بشكل صحيح.

واكتساب اللغة وتطورها عند الأطفال لا يمكن أن يتم إلا بتوفر ظروف معينة أهمها امتلاكه لقدرات حسية سليمة وخاصة سلامة حاستي السمع والبصر، ولمدارك عقلية سليمة.

وترى مجموعة كبيرة من الباحثين في مجال التربية وعلم النفس أن النمو العقلي مرتبط إلى حد كبير بالنمو اللغوي عند الطفل فكلما تطورت قدراته اللغوية كلما تطورت قدراته العقلية.

وإلى جانب الاستعداد الفطري عند الطفل لتعلم اللغة الذي يشمل الاستعداد الذهني والقدرة على ملاحظة وتقليد الآخرين في نطق أو ترديد النماذج اللغوية، يجب أن تتوفر له البيئة اللغوية، المحفزة لأن اللغة سلوك إنساني لا يكتسب بمعزل عن الآخرين وبشكل خاص أسرة الطفل والمحيطين به.

تفاعل هذه العوامل وتكاملها عند الطفل تمكنه من اكتساب اللغة، وبالمقابل غياب أو ضعف عامل واحد من هذه العوامل لابد أن يترك تأثيره السيئ في قدرة الطفل على اكتساب اللغة وعلى أدائه التواصلي بشكل عام.

ومن أهم الاضطرابات والعوامل التي تسبب حدوث تأخر أو اضطراب في اللغة نذكر أولا ضعف أو فقدان السمع ويعتمد تجاوز هذا العائق على درجة يقظة الأبوين ووعيهما بفعالية التدخل المبكر، فكلما تطورت القدرات اللغوية بشكل أفضل وتمكن الطفل من اكتساب اللغة والكلام والأداء التواصلي الشفهي بشكل جيد.

ثانيا انخفاض القدرات العقلية، ذلك أن هناك علاقة وثيقة جدا بين الإصابة بضعف القدرات العقلية أو الإعاقة الذهنية وبين الاضطرابات اللغوية، ومن المسلم به لدى جميع المختصين في اضطرابات اللغة والكلام أن الطفل الذي يعاني من انخفاض في القدرات العقلية يعاني من اضطراب في اللغة والعكس ليس صحيحا.

ثالثا الازدواجية اللغوية أو الثنائية اللغوية وهي نقطة مرتبطة مباشرة بالوالدين ويختلف الباحثون فيما بينهم حول موضوع ازدواجية اللغة، بمعنى أن وجود أكثر من لغة في البيت، كأن يستخدم الأب لغة تختلف عن اللغة التي تستخدمها الأم، يؤثر على نشأة اضطراب في اللغة عند الطفل، فهناك كثير من الدراسات تؤكد على عدم تأثر لغة الطفل عند وجود أكثر من لغة في المنزل.

لكن في المقابل هناك من الدراسات ما تؤكد أن وجود أكثر من لغة في محيط الطفل يؤثر سلبا على تطور واكتساب اللغة وذلك تبعا لوجود اختلاف بين الأنظمة اللغوية المستخدمة في كل لغة مثل مبنى الجملة والقواعد الفونولوجية وغير ذلك من المظاهر اللغوية وهذا الاختلاف سوف يشوش قدرة الطفل على اكتساب اللغة أو يتسبب في حدوث خلط بين اللغتين عنده، وبالتالي يفقده القدرة على اكتساب اللغة.

كما نجد عوامل أخرى مرتبطة بالعائلة كالعوامل الوراثية، فقد لاحظ المختصون أن الاضطرابات تتواجد أكثر عند الأطفال الذين عانى أحد والديهم من اضطراب لغوي أو كلامي في سنين الطفولة المبكرة وكذلك في الأسر التي يوجد بها أشخاص لديهم اضطرابات في اللغة والكلام.

وفي ذات السياق العائلي تشير دراسات أخرى إلى وجود علاقة بين الولادة المبكرة وتأخر اكتساب اللغة ذلك أن نسبة حدوث التأخر اللغوي عند الأطفال "الخدج" أعلى بكثير من النسبة التي نجدها عند الأطفال الآخرين.

21