اللغة.. من توطيد العلاقات إلى هدمها

كم من خصومة قامت في متجر أو في الطريق العام لأن أحدهم استعمل كلمة في غير محلها فاستفز بها الآخرين، ويكون منطلقا لنقاش حاد يخرج عن آداب التحاور.
الأحد 2018/08/26
الكلمة إذا انحرفت عن مسارها قد تجلب الويلات

لا يختلف اثنان في أنّ اللغة هي الأداة المثلى للتواصل على جميع المستويات الأسرية والاجتماعية وعلى مستوى العلاقات الدولية كذلك، حيث أن الملفوظ يجب أن يقع اختياره بشكل مدروس ليؤدي الهدف المنشود منه. فجلّ الخلافات إن لم نقل كلها تنشأ عن سوء تقدير أثناء التخاطب، بين ذوي القربى والأصدقاء وزملاء العمل والرئيس والمرؤوس..

ففي المناسبات العائلية والاجتماعية والتي تكثر وتتوافر في أيام الصيف هذه، يفد المغتربون من ديار الهجرة ويلتقي الأهل والأقارب بعد غياب طويل فرضته ضغوط الحياة العصرية وتبدو اللقاءات الأولية شديدة الحميمية والودّ يشوبها عناق حارّ وأسئلة عن الحال والأحوال ويلمس الرائي جمالا فريدا وانسجاما لا مثيل لهما يسمان هذه العلاقات، فيخيّل إليه أن كل المشكلات العائلية والاجتماعية وقع تجاوزها، ما يشي بأن هناك نسيجا أسريا واجتماعيا شديد التماسك والتناغم.

فمن الأقوال المأثورة “ليس من شيء أطيبَ من اللسان والقلب إذا طابا، وليس من شيء أخبثَ منهما إذا خَبُثا”، فالناس في بدايات لقاءاتهم يتخيرون ألفاظهم بعناية فيغدو الخطاب حميميا شاعريا في بعض الأحيان، من ذلك مثلا “أهلا بأخي العزيز، والله ليك وحشة”، “ولد عمي الغالي توحشتك وتوحشت القعدة معاك”، “هيا بالحضن منذ زمن لم أرك”.. والكثير من هذا. كما يكثر التعريف بالأشخاص “هذا ولدي فلان أعرفته؟”، “تلك فلانة ابنة فلان ما شاء الله أصبحت عروسة”.

بهذا الخطاب تنبسط السرائر، وتهدأ النفوس، وتنخفض الأصوات، وتدفأ الأحضان، في نسق اجتماعي فريد لا يتكرر باستمرار، فللكلمة سحرها الذي ينفذ إلى النفوس فيهدئها وإلى القلوب فيطيّبها وإلى الأذهان فيشحذها.

ولكن لماذا لا تستمر العلاقات حميمية بهذا الشكل؟ لماذا يكون دائما عمر الودّ والرحمة وحسن اللسان قصيرا؟

يمكن قراءة الأمر بطريقتين، أولاهما أن اللقاء بعد غياب طويل يقرب النفوس لبعضها البعض ويحيي عاطفة الدم وعاطفة القرابة وعاطفة الصداقة والجيرة وغيرها، وهذا في الحقيقة هو المعنى الأساسي والأصلي للعلاقات الأسرية والاجتماعية، أو بعبارة أدق ما يجب أن يكون.

أما ثانيتهما فتحدد ما يمكن أن نسميه بـ”النفاق الاجتماعي” أو بعبارة أقل حدّة “المجاملة الاجتماعية”، فالودّ ولهفة اللقاء والخطاب العاطفي والسؤال الملح الحار كلها صورة خارجية مصطنعة يستعملها الحضور للظهور بمظهر المتخلقين الودودين المراعين لمشاعر الآخرين، كما تكثر مظاهر التدين المتجسدة في الفعل من خلال إظهار الحرص الشديد على الروابط الدموية تنفيذا لمتطلبات النصوص الدينية قرآنا كريما وسنة نبوية شريفة.

أما الخطاب فيتشبع بالمصطلحات الدينية من قبيل الدعاء له “الله يحفظك” و”الله يخليك” و”الحمد لله رب العالمين”، فيجتمع ما هو عاطفي بما هو ديني وكلاهما شديد التأثير على النفوس.

وفجأة تنقلب المعادلة إلى ضدها ويصبح اللقاء مسرحا أو محطة كان ينتظرها البعض بفارغ الصبر لتصفية حسابات قديمة مع أحد الأقرباء أو الجيران أو الأصدقاء، ويبدأ الكلام عتابا ثم تتصاعد وتيرة النقاش وحدّته وتنقشع حلة الأخلاق والدين من الفعل والقول معا، وتعلو الأصوات بعد هدوئها وتتبدل الألفاظ لتصبح جارحة خادشة للحياء أحيانا، وقد يصل الأمر بعد المشادة الكلامية إلى تشابك بالأيدي، وكل ذلك من أجل كلمة قيلت في غير محلها وخطاب لم يحترم لا الأخلاق ولا القيم ولا أدبيات النقاش والحوار والجدال. من هنا فإن التخاطب فنّ يجب أن نعلمه لصغارنا منذ نعومة أظافرهم ليعرفوا كيف يندمجون بسلاسة ويسر في النسيج المجتمعي بدءا بالوسط المدرسي ثم الجامعي وصولا إلى فضاءات العمل والتسوق والسياحة.

فالكلمة تجمع وتفرق وتداوي وتجرح وتحيي وتميت وتبني وتهدم.. فهي أصل كل شيء، ولا أفضل للتدليل على ذلك من قول الله تعالي “ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها”.

فالخطاب الجيد المدروس فرع أساسي من فروع المنظومة الأخلاقية القيمية التي نجتمع حولها في برامجنا التعليمية وفي مرجعيتنا الدينية وحتى في تقاليدنا وأعرافنا الاجتماعية، فكلما كانت الكلمة موجهة ومدروسة ومهذبة ومراعية لنفسية المتلقي ومشاعره وحتى وضعه النفسي والمادي والاجتماعي والذهني، كلما كانت نافذة تؤدي الوظيفة الأساسية من فعل التخاطب وهي الإخبار والإبلاغ بالإضافة إلى وظائف أخرى كالتأثير مثلا.

وإذا انحرفت الكلمة عن مسارها لا تؤدي الوظائف التي جعلت لها أصلا، فتغدو سببا مباشرا في توتير العلاقات ودفها إلى التصعيد الذي قد يجلب ويلات لا تحمد عقباها.

كم من خصومة قامت في متجر أو في الطريق العام لأن أحدهم استعمل كلمة في غير محلها فاستفز بها الآخرين، ويكون منطلقا لنقاش حاد يخرج عن آداب التحاور.

في العائلة أيضا قد تتسبب كلمة جارحة في الطلاق وتهديم الأسرة وتشريد الأطفال وما ينجر عن كل ذلك من مآس وعواقب وخيمة تتواصل تداعياتها من جيل إلى آخر.

21