اللغة ودولة أهلها

لغتنا في مفترق طرق، إن اعتنينا بها وجدّدْناها لتكون مواكبة للعصر، ظلت محافظة على حيويّتها؛ وإن أهملناها، زالت واضمحلّت، أو تردّت إلى أقبية المتاحف، كسائر الأشياء القديمة.
الخميس 2018/12/06
لا شيء يتم بمعزل عن اللغة (لوحة: بطرس المعري)

اللغة، كما يعرّفها علماء اللسانيات، هي وسيلة للتفاهم وتيسير شؤون الحياة اليومية، ولكنها أيضا أداة للخلق والابتكار في مجالات الأدب والمسرح والعلم والمعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا، فلا شيء يتم بمعزل عنها. وهي إلى ذلك في حركة دائبة، تتطور باستمرار، وتأخذ من اللغات الأخرى- عند الغزو سلبا أو إيجابا، أو عند الاختلاط والتمازج- ألفاظا جديدة، وتهمل ألفاظا قديمة زالت الحاجة إليها.

ولما كانت اللغة كائنا حيّا، فإنها تحيا بحياة أهلها إن اعتلّوا اعتلّت، وقوّتها من قوّتهم إن وهنوا وهنت. أي أنها تتطوّر بتطور الناطقين بها، وتتأخّر بتأخّرهم، فقد شهدت بعض اللغات نموّا مطردا حين قويت شوكة دولة أهلها، فازدهرت ثقافتها وتطورت علومها وتلاحقت ابتكاراتها، فاغتنت اللغة بما فرضته حركة التجديد من مستحدثات ومبتكرات، فيما بقيت لغات أخرى في صيغتها الأولى، أو تقهقر حضورها، وقل تداولها، فنابت عنها لغات دخيلة، أو آلت إلى الإهمال ثم إلى الاِنقراض، بسبب ضعف دولة أهلها وانتكاس ثقافتهم، فبادت بعد أن سادت عقودا وقرونا من الزمان. كذا الأكادية والسومرية والقبطية والصينية الكنفوشيوسية ولغات آسيا الصغرى القديمة. وقد تبقى اللغة، تحت حكم ظروف تاريخية وحضارية، مجرّد لهجة محلية ساذجة، كما هو شأن مئات اللهجات الأفريقية البدائية، لركود ثقافة أهلها وانعدام مبتكراتهم. 

يقول ابنُ حَزْم الأندلسي في كتابِ “الأحكام” “إن اللغةَ يَسقُطُ أكثرُها، وتَبطُلُ بسقوطِ دولةِ أهلِها ودخولِ غيرِهم عليهم في أماكِنِهم، أو بنقلِهِم عن ديارهم واختلاطِهم بغيرهِم، فإنّما يُقيّدُ لغةَ الأمّةِ وعلومَها وأخبارَها قوّةُ دولتِها ونشاطُ أهلِها، وأما من تَلِفَتْ دولتُهم وغلَبَ عليهم عدُوُّهُم، واستقَلُّوا بالخَوفِ والحاجةِ والذُّلِّ وخِدْمةِ أعدائهِم، فمضمونٌ منهم انعدامُ الخاطر، وربما كان ذلك لشَتاتِ لُغتِهم، ونسيانِ أنسابِهِم وأخبارهِم، ويُبُودِ علومِهم (أي زوالِها). هذا موجودٌ بالمشاهَدة، ومعلومٌ بالعقلِ ضرورةً”.

ولو ألقينا نظرة على لغات العالم الحية اليوم، حتى في ظل هيمنة الإنكليزية، لألفينا أن أكثرها تجددا هي تلك التي امتلكت دول أهلها أسباب القوة والمناعة، وانخرطت في الحداثة، ووفرت ما يلزم لتحقيق إنجازات علمية وتكنولوجية متطورة، ما يفرض على اللغة تجديد مفرداتها ومصطلحاتها وتراكيبها وتعابيرها لكي تساير ما يجدّ، لأن الفكر البشري، على رأي فكتور هوغو، يسير واللغات تسير معه، فكيف لا يتغير اللباس إذا تغير الجسد.  

مرة أخرى نقول إن لغتنا في مفترق طرق، إن اعتنينا بها وجدّدْناها لتكون مواكبة للعصر، ظلت محافظة على حيويّتها؛ وإن أهملناها، زالت واضمحلّت، أو تردّت إلى أقبية المتاحف، كسائر الأشياء القديمة.

15
مقالات ذات صلة